لماذا احتفل المغاربة باقصاء الجزائر بعدما احتفلوا بفوزها بكأس افريقيا؟

ظهر جليا، الثلاثاء، أن مجال الصدام بين المغرب والجزائر لم يعد منحصرا في الصراع السياسي والدبلوماسي، بل انعكس ليشمل شريحة واسعة من الشعبين، وذلك بعد أن حوّل النظام الجزائري حدثا رياضيا لمعركة حياة أو موت، وروج عبر وسائل إعلام وقنوات دعائية لفكرة “مؤامرة” المغرب ضد المنتخب الجزائري لكرة القدم، ما دفع عددا من المغاربة للرد على ذلك بالاحتفاء بتأهل موريتانيا التاريخي لدور الثمن في كأس أمم إفريقيا وإقصاء “الخضر” مبكرا من البطولة.

وبعد أن كان المغاربة يشجعون “ثعالب الصحراء” في كل مناسبة كروية سانحة، بكل الطقوس الممكنة التي يلجأ إليها مريدو الساحرة المستديرة، برفع الأعلام والخروج إلى الأزقة لترديد شعارات مساندة للفريق ومدربه، اليوم أقلع عدد منهم عن ذلك، وهو ما كشفت عنه عدد التدوينات والصور ومقاطع الفيديو التي تم تداولها بشكل واسع على منصات التواصل الاجتماعي مباشرة بعد أن أطلق الحكم عبد القادر أرتان صافرة نهاية المواجهة العربية بفوز موريتانيا.

 

محمد شقير، المحلل السياسي، عزا احتفاء عدد من المغاربة بهزيمة أبناء جمال بلماضي لعدة عوامل، لعل أبرزها نجاح النظام الجزائري في إدماج شرائح كبيرة من الجزائريين في استعداء المغرب، رغم التاريخ المشترك الذي يجمع بين الشعبين ورغم العلاقات العائلية التي تجمع العديد من الأسر وخاصة في الجهة الشرقية.

 

وقال شقير،  إن النظام الجزائري ومنذ سنوات، حوّل المغرب لعدو أساسي ضمن عقيدته السياسية والعسكرية، وسخر وسائل الإعلام لترسيخ ذلك، وهو ما أدى إلى التنافر بين فئات كبيرة من الشعبين، خصوصا عقب دخول منصات التواصل الاجتماعي للمعادلة، وبالتالي تأثير ذلك بات مضاعفا نظرا لوصولها لأكبر عدد من الشرائح الشعبية خاصة أنها تخاطبه بلغته وتستعمل الصور وما إلى ذلك من المؤثرات.

 

كما سجل المتحدث أن الجيل المحتفي بإقصاء الجزائر، من الجيل الصاعد الذي يتراوح عمره ما بين 15 و25 عاما، “فهو لم يشهد ولم يتأثر بالتاريخ المشترك، خلافا للأجيال السابقة التي عايشت أحداث الخمسينات والستينات والسبعينات”.

 

وأكد أن الإجراءات الأحادية التي يتخذها النظام الجزائري في كل مرة ضد المغرب، رغم إعلان العاهل المغربي مد يده لهم لإعادة الأمور لطبيعتها، يجعل الشرخ يتزايد يوما بعد يوم ومن الممكن في لحظة من اللحظات أن يؤدي إلى تفجير معين ما بين شعبين ما يجعمهما أكثر مما يفرقهم، من التاريخ المشترك والذكريات والوشائج المشتركين”.

 

 

 

واعتبر شقير أن النظام السياسي جعل المغرب عدوا رئيسيا ضمن عقيدته السياسية والعسكرية، وجعل من المملكة ذاك القميص المتسخ الذي يحمله مسؤولية كل المشاكل وكل الأعطاب التي يعاني منها على الصعيد الداخلي، بهدف تضخيم “العدو الموروكي”، عبر الدعاية اليومية والمقررات الدراسية وغيرها، وهو ما دفع جماهير جزائرية لإعلان العداء للمغرب، والاحتفاء بالإقصاء أمس كان انعكاسا لذلك.

 

واستدرك المحلل السياسي بأنه في الجانب المغربي الاستعداء ليس بالشكل الذي في الجانب الجزائري، حيث في الجارة الاستعداء نابع من سياسة معينة من طرف النظام، في حين أن النظام المغربي لا يجعل من الجزائر عدوا في عقيدته وهذا هو الاختلاف، وهذا لا يمنع أن هذا الشرخ بدأ يتوسع ويتغدى من خلال هذه التظاهرات.

 

وأفاد محمد شقير أن السبيل لعودة “الخاوة” بين الشعوب وتفادي تطور هذا الاستعداء إلى عداء مشابه لما بين الكوريتين، هو تخلي النظام الجزائري عن عقيدته العدائية ضد المغرب، لأنها عامل أساسي في هذا الشرخ، منبها إلى أنه وفي عز الصراعات، أبرزها حرب الرمال، حافظ الشعبان على أواصرهما.

 

ولفت إلى أن ما تغير هو قرار النظام الجزائري منذ 1994 لتحويل المملكة إلى عدو أساسي في إطار التنافس الإقليمي في المنطقة، مستخدما كل وسائل الدعاية والإعلان لشحن جيل لم يعش المواجهة المشتركة للمستعمر ومساندة المغاربة باستماتة للقضية الجزائرية.

 

وأضاف في السياق نفسه: “إذا لم يغير النظام الجزائري هذا السياسة ويكسر الحدود، من الوارد جدا أن يتوسع الشرخ بين الشعبين الجارين”، مشددا على أهمية دور مكونات المجتمع المدني على الصعيد الثقافي والفني والسينمائي في التخفيف من ذلك عبر تبادل البعثات الثقافية والملتقيات العلمية والأكاديمية”.

وخلص المحلل السياسي إلى أن ذلك لن يحقق الأهداف بالشكل المطلوب إلا في حال تراجع النظام الجزائري عن قرار إغلاق الحدود الجوية وقطع العلاقات الدبلوماسية، واعترافه بأن المغرب جار والجغرافيا لا يمكن تغييرها وأن التنافس الإقليمي لا يبرر العداء، وأن الخلافات ما بين الدول لا يجب أن تتحول لعداوة بين الشعوب.