“الحراكة” المغاربة في مرمى تفتيش الشرطة للمنازل ببلجيكا

تتجه بلجيكا نحو مرحلة جديدة من تشديد سياستها في مجال الهجرة، في ظل مشروع قانون مثير للجدل يتيح للشرطة دخول مساكن بعض الأجانب المقيمين بصورة غير قانونية، بهدف توقيفهم وتنفيذ قرارات ترحيلهم، شريطة الحصول على إذن قضائي مسبق واحترام مجموعة من الضوابط القانونية والإجرائية. ويأتي هذا التوجه في سياق مساعي الحكومة الفيدرالية إلى تعزيز تنفيذ قرارات مغادرة التراب البلجيكي، لكنه فتح في المقابل نقاشا سياسيا وحقوقياواسعا حول حدود صلاحيات السلطات الأمنية ومدى احترام حرمة المسكن والحقوق الأساسية للأفراد.

وقد انتقل المشروع إلى مرحلة متقدمة من المسار التشريعي، بعدما حظي بموافقة لجنة الشؤون الداخلية بمجلس النواب البلجيكي في الماضي، في انتظار عرضه على التصويت النهائي في الجلسة العامة، المقرر يوم بعد غد الخميس. وتكمن أهمية هذا التطور في أن المشروع لا يتعلق بمجرد تعديل تقني لإجراءات الترحيل، بل يمس أحد الحقوق الأساسية التي يكفلها الدستور البلجيكي، والمتمثل في حرمة المسكن، إلى جانب الحق في احترام الحياة الخاصة والعائلية المنصوص عليه في المادة الثامنة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

 

وتشير مضامين المشروع إلى أن الإجراء المقترح لا يشمل جميع المهاجرين الذين لا يتوفرون على وثائق إقامة، وإنما يستهدف حالات محددة ترتبط بوجود قرارات قابلة للتنفيذ بمغادرة الأراضي البلجيكية، وعدم التعاون مع إجراءات العودة، وتوافر مبررات قانونية مرتبطة بالنظام العام أو الأمن الوطني، مع اشتراط الحصول على إذن مسبق من قاضي التحقيق. غير أن هذا التحديد لم يبدد مخاوف المعارضين، الذين يعتبرون أن بعض المفاهيم الواردة في المشروع تحتاج إلى مزيد من الدقة، تفاديا لتوسيع نطاق تطبيقه أو استعماله خارج الحالات التي تبرر فعلياً التدخل في المساكن الخاصة.

 

وفي هذا السياق، سجلت مؤسسات حقوقية وقانونية بلجيكية تحفظات بشأن مدى تناسب الإجراء مع الهدف المعلن منه، ومدى كفاية الضمانات القضائية المرافقة له.

 

وفي هذا الاطار، أثار المركز الفيدرالي للهجرة “Myria”، مجموعة من الإشكالات المتعلقة بضرورة التدخل، وحدود صلاحيات الإدارة، واستقلالية الرقابة القضائية، فضلاً عن حماية الفئات الهشة والأسر التي تضم أطفالا. كما انضمت هيئة المحامين الناطقين بالفرنسية والألمانية “AVOCATS.BE” إلى عدد من المنظمات المدنية والحقوقية في التعبير عن معارضتها للمشروع، محذرة من التداعيات المحتملة على الحقوق والحريات الفردية.

 

وقد واكبت الصحافة البلجيكية هذه التطورات باهتمام، حيث تناولت أبعاد الخلاف السياسي والحقوقي المحيط بالمشروع، مسلطة الضوء على الانتقادات التي ترى أن السماح بدخول المساكن لتنفيذ قرارات الترحيل قد يشكل سابقة حساسة في العلاقة بين سلطة الدولة والحقوق الفردية. كما امتدت الاعتراضات إلى عدد من السلطات المحلية والبلديات، التي أبدت تحفظات بشأن الجوانب العملية والقانونية لهذا التوجه، ما يعكس اتساع دائرة النقاش خارج المؤسسة التشريعية.

 

وبالنسبة إلى الجالية المغربية المقيمة في بلجيكا، يكتسي هذا الملف أهمية خاصة بالنظر إلى الحضور الكبير للمغاربة داخل المجتمع البلجيكي، غير أن القراءة القانونية للمشروع تقتضي التأكيد على أنه لا يستهدف جنسية بعينها، ولا يمنح الشرطة صلاحية دخول منازل جميع المغاربة أو المهاجرين بصورة عامة. فالمعيار الأساسي يرتبط بالوضعية القانونية للشخص ومدى انطباق الشروط المحددة في النص. وبالتالي، فإن المواطنين المغاربة الذين يتوفرون على إقامة قانونية سارية لا يصبحون معنيين بهذا الإجراء لمجرد أصولهم أو جنسيتهم، في حين قد تشمل آثاره بعض الأشخاص الموجودين في وضعية إقامة غير قانونية، إذا توافرت في حالاتهم الشروط القانونية المطلوبة.

 

وتبرز في هذا الإطار أيضا مسألة العائلات التي تستضيف أشخاصا مهددين بالترحيل، ومدى تأثير الإجراءات المقترحة على الحياة الأسرية وخصوصية المساكن التي تضم أطفالا أو أشخاصا في وضعيات اجتماعية هشة. وهي اعتبارات جعلت النقاش يتجاوز مسألة تنفيذ قرارات الإبعاد إلى سؤال أوسع يتعلق بحدود تدخل الدولة داخل الفضاء الخاص، والضمانات الواجب توفيرها لمنع أي استعمال غير متناسب للصلاحيات الأمنية.

 

وفي المقابل، تدافع الحكومة الفيدرالية عن المشروع باعتباره آلية لتعزيز فعالية سياسة العودة وتنفيذ القرارات الإدارية والقضائية المتعلقة بمغادرة الأراضي البلجيكية، خاصة في الحالات التي ترى فيها السلطات أن الوسائل المتاحة حاليا لا تسمح بتنفيذ تلك القرارات بالشكل المطلوب. وبين هذا الموقف والانتقادات الحقوقية، يبقى التصويت النهائي محطة حاسمة لتحديد مستقبل النص، دون أن يعني إقراره بالضرورة نهاية النقاش، بالنظر إلى إمكانية استمرار الجدل بشأن مدى توافق مقتضياته مع الدستور البلجيكي والالتزامات الأوروبية في مجال حقوق الإنسان.

 

وتكشف هذه التطورات، في مجملها، عن صعوبة تحقيق التوازن بين حق الدولة في تنظيم الهجرة وتنفيذ قرارات الترحيل، وبين التزامها بحماية الحقوق الأساسية لجميع الأشخاص الموجودين فوق أراضيها، بصرف النظر عن جنسيتهم أو وضعيتهم الإدارية.