لم يكن سقوط حزب التجمع الوطني للأحرار في انتخابات 2026 وليد ليلة الاقتراع، ولا نتيجة خطأ في الحسابات خلال الساعات الأخيرة، بل كان متوقعاً بالنظر إلى دخول الحزب غمار الاستحقاقات وهو يحمل فوق ظهره خمس سنوات من الملفات والقرارات والجدل. فمن 102 مقعدا في انتخابات 2021 إلى 66 مقعدا في 2026، تبخرت 36 مقعدا من رصيد “الحمامة”، بعدما كان الحزب يتصرف طوال الولاية الحكومية بمنطق القوة التي لا ينازعها أحد، لتأتي صناديق الاقتراع وتكشف ما كان يتراكم تحت السطح طيلة هذه المدة.
لم يدخل الحزب الحملة الانتخابية بصفحة بيضاء، بل ظلت تطارده ملفات كثيرة وكلما حاول إغلاق أحدها فُتح عليه ملف آخر. وحين وصلت بعض القضايا الحساسة إلى القيادة الحزبية الجديدة، وجد محمد شوكي نفسه في مواجهة إرث لم يصنعه لكنه اضطر لحمل كلفته السياسية، تزامنا مع قضايا واتهامات وضعت الحزب أمام مواقف محرجة فرضت عليه الدفاع والتبرير بدل تقديم إنجازاته. وعلى صعيد التنظيم، لم ينجح الانسحاب المفاجئ لأخنوش من رئاسة الحزب وتكليف شوكي بقيادته في تحقيق الزخم المنتظر، إذ ظل حضور شوكي باهتاً بينما بقي أخنوش في الواجهة، ليعود في الوقت الميت لقيادة الحملة في مشهد أربك أكثر مما طمأن.
وهنا وجد خصوم الحزب، داخل الأغلبية كما في المعارضة، فرصة نادرة لتوجيه الضربات وتصفية الحسابات السياسية، خصوصاً مع تسجيل موجة مغادرات في صفوف النواب والمنتخبين نحو أحزاب أخرى، مما كشف عن بداية فقدان الحزب لجانبيته الانتخابية والتنظيمية. وحتى الأوراق التي حاول الحزب إخراجها في الأوقات الحاسمة لم تشتغل كما أراد، مثل قرار حذف الساعة الإضافية الذي اصطدم توظيفه الانتخابي بذاكرة المواطنين وبعض التصريحات السابقة، لتتحول تلك العبارات إلى مادة ساخرة ضده بدل أن تشكل رصيداً سياسياً له.
وتكمن المفارقة الكبرى في أن حزباً امتلك الحكومة والمال والوزراء وشبكة واسعة من المنتخبين لم يستطع تحويل كل هذه الأوراق إلى درع واقي وحماية انتخابية، بل إن بعض تلك الأوراق انقلبت ضده بفعل منافسة حلفاء الأغلبية وانتقادات المعارضة الجاهزة. لذلك لم تكن نتيجة 23 شتنبر مجرد خسارة عددية للمقاعد، بل كانت لحظة حساب عسير مع قيادة راهنت طويلا على قوة التنظيم، ومع وعود شعار “الدولة الاجتماعية”، ومع ملفات ظلت عالقة دون إغلاق مقنع.
بين رقم 102 مقعدا في 2021 ورقم 66 مقعدا في المرتبة الثانية خلال 2026، توجد خمس سنوات كاملة من التسيير والتدبير. وهي مدة ككفيلة بأن تذكر المشهد السياسي بأن صناديق الاقتراع لا تعاقب فقط على أخطاء الأسبوع الأخير، بل تحاسب الأحزاب على كل ما تراكم طيلة ولاية كاملة قبل أن تُفتح الأبواب للناخبين.
