لا يبدو أن ظاهرة حضور العائلات داخل المشهد السياسي تتجه نحو التراجع، بل إن الاستحقاقات التشريعية المقبلة تكشف استمرار نمط سياسي يطرح إشكالا قديما ومتجددا حول قدرة الأحزاب على تجديد نخبها، في ظل انتقال الحضور السياسي من الآباء إلى الأبناء والبنات، وظهور حالات يصبح فيها أفراد الأسرة الواحدة جزءا من المنافسة الانتخابية في الوقت نفسه.
فالمشهد لا يقتصر على عائلات سياسية راكمت حضورا داخل البرلمان عبر ولايات تشريعية مختلفة، بل يمتد إلى ترشيحات جديدة تعيد إنتاج الحضور العائلي بأشكال متعددة، سواء من خلال انتقال النشاط السياسي من جيل إلى آخر، أو من خلال دخول أكثر من فرد من العائلة نفسها إلى غمار المنافسة الانتخابية.
وبطبيعة الحال، لا تمنع القرابة العائلية الترشح للانتخابات، ولا يمكن اعتبار الانتماء إلى عائلة لها حضور سياسي دليلا على غياب الكفاءة، فحق الترشح والمشاركة في الحياة السياسية حق مكفول لكل من تتوفر فيه الشروط القانونية، ولا ينبغي أن يكون الانتماء العائلي سببا في الإقصاء.
غير أن استمرار هذه الظاهرة يفتح في المقابل نقاشا حول قدرة الأحزاب السياسية على تجديد نخبها، وإتاحة الفرصة أمام وجوه جديدة، خصوصا الشباب والكفاءات التي تبحث عن موطئ قدم داخل المؤسسات المنتخبة.
وتأخذ الظاهرة شكلا أكثر مباشرة عندما تضم اللائحة الانتخابية الواحدة ثلاثة أفراد من الأسرة نفسها، وهو ما يجعل العائلة حاضرة دفعة واحدة في المنافسة الانتخابية، ويمنح المشهد صورة مختلفة عن مجرد انتقال سياسي طبيعي من جيل إلى آخر.
وفي مثل هذه الحالات، يبرز نقاش آخر يتعلق بمدى وضوح المعلومات المقدمة للناخبين حول المرشحين، خاصة ما يرتبط بمستوياتهم الدراسية ومساراتهم المهنية وتجاربهم السياسية، باعتبار أن تقديم معطيات دقيقة وواضحة يشكل جزءا أساسيا من حق الناخب في تكوين صورة كاملة عن المرشحين الذين يطلبون أصواته.
وبين من يرى في الحضور العائلي امتدادا طبيعيا لتجارب سياسية راكمتها بعض الأسر، ومن يعتبره مؤشرا على بطء تجديد النخب، تظل الظاهرة موضوعا مفتوحا للنقاش، خصوصا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وفي النهاية، يبقى الفيصل هو صناديق الاقتراع، حيث يملك الناخب وحده حق اختيار من يرى فيه الكفاءة والقدرة على تمثيله، بعيدا عن الأسماء والروابط العائلية، وبناء على القناعة بالبرامج والكفاءة والمسار الشخصي والسياسي لكل مرشح.
