الدريوش قبل الانتخابات.. عودة الوجوه القديمة وامتحان جديد أمام الناخب

مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، بدأت ملامح المشهد السياسي بإقليم الدريوش تتغير من جديد، وبدأت بعض الوجوه التي غابت عن واجهة النقاش العمومي خلال السنوات الماضية في الظهور مجدداً، حاملة معها خطاباً انتخابياً جديداً، وشعارات تعيد إلى الواجهة وعوداً سبق أن سمعها الناخبون في محطات سابقة.

العودة إلى المشهد السياسي حق مشروع للجميع، والترشح والمنافسة الانتخابية من صميم الممارسة الديمقراطية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة اليوم ليس: من سيترشح؟ بل: ماذا قدم كل اسم خلال الفترة التي تفصل بين انتخاب وآخر؟

 

فالمواطن في الدريوش لم يعد ينظر إلى الانتخابات باعتبارها مجرد موسم للصور واللقاءات والخطب، وإنما أصبح أكثر اهتماماً بالحصيلة والمواقف والحضور. ومن الطبيعي أن يتساءل الناخب عن الأشخاص الذين كانوا حاضرين إلى جانبه في قضاياه اليومية، وعن أولئك الذين لم يظهر حضورهم إلا مع اقتراب موعد الاقتراع.

 

فالعمل السياسي، في جوهره، لا يبدأ مع انطلاق الحملة الانتخابية ولا ينتهي بإغلاق صناديق الاقتراع. المنتخب أو الفاعل السياسي الحقيقي يُفترض أن يكون حاضراً في النقاش العمومي، متابعاً لقضايا المنطقة، ومتفاعلاً مع انتظارات المواطنين، سواء كان في موقع المسؤولية أو خارج المؤسسات المنتخبة.

 

وفي المقابل، بدأت مواقع التواصل الاجتماعي تعرف، مع اقتراب الانتخابات، موجة من المنشورات التي تروّج لبعض الأسماء باعتبارها “الأقوى” أو “الأقرب إلى الفوز”، بينما تتحول بعض الصفحات والحسابات إلى منصات للدعاية المبكرة، في وقت يبقى فيه الحكم الحقيقي من اختصاص الناخب وحده.

 

وهنا تظهر أهمية الذاكرة الانتخابية.

 

فالناخب قد ينسى بعض التفاصيل، لكنه غالباً لا ينسى من وقف إلى جانبه، ومن كان حاضراً في قضايا المنطقة، ومن اختار الصمت أو الابتعاد. كما أن الوعود الانتخابية لم تعد تمر بسهولة كما كان الأمر في السابق، بعدما أصبح المواطن قادراً على مقارنة التصريحات بالمواقف والحصيلة.

 

وفي الدريوش، تبدو المرحلة المقبلة مختلفة؛ فالمنافسة لن تكون فقط بين الأحزاب والأسماء، وإنما ستكون أيضاً بين الحصيلة والخطاب، وبين الحضور والغياب، وبين ما تحقق فعلاً وما يُوعد به من جديد.

 

أما “جوقة التلميع” التي تظهر عادة مع كل موسم انتخابي، فستجد نفسها أمام اختبار حقيقي؛ إذ إن كثرة المنشورات والإشادة بالأسماء لا تعني بالضرورة امتلاك مشروع أو رصيد انتخابي. وفي النهاية، يبقى المواطن هو الحكم، وليس عدد المنشورات ولا حجم الضجيج على مواقع التواصل الاجتماعي.

 

الدريوش اليوم تحتاج إلى نقاش سياسي هادئ ومسؤول، يركز على البرامج والأفكار والحصيلة، بعيداً عن الشخصنة والتجريح. فالانتخابات ليست مناسبة لتصفية الحسابات، كما أنها ليست شيكاً على بياض لأي مرشح.

 

ومن حق أي شخص أن يعود إلى المنافسة، ومن حق أي مواطن أن يغيّر موقفه، لكن من حق الناخب أيضاً أن يسأل ويحاسب ويقارن.

 

فالذاكرة الانتخابية لا تُمحى مع بداية كل حملة، والناخب الذي يحمل ورقة الاقتراع يحمل معها أربع سنوات من الأسئلة والانتظارات والتجارب.

وفي النهاية، لن تحسم المعركة الانتخابية قوة الشعارات ولا حرارة التطبيل، بل ستحسمها ثقة المواطن يوم يضع صوته في الصندوق.