جمال الغازي.. صوت الجالية النابض بالوفاء للوطن والذاكرة الحية للناظور

لا شك أن تتبع مسارات الشخصيات التي صنعت من الاغتراب جسرا متينا لخدمة الوطن يعيد الاعتبار لمعنى الانتماء الحقيقي، ويقفز بنا فوق مسافات الجغرافيا لنلتقي بقامات كرست وقتها وجهدها للدفاع عن قضايا هويتها وثقافتها، وفي مقدمة هذه الأسماء يبرز الإطار والناشط الجمعوي والحقوقي جمال الغازي، ابن مدينة الناظور المقيم بألمانيا، والذي بات صوتا بارزا وعلما من أعلام الحضور الواعي للجالية المغربية بأوروبا.

 

إن الرجل ليس مجرد مغربي يقيم خارج الحدود، بل هو نموذج حي للمثقف العضوي الذي حمل هموم مجتمعه على عاتقه، مسخرا قلمه وفكره للدفاع عن قضايا الذاكرة المحلية والهوية، والاشتباك الفكري والمدني مع كل ما يهم قضايا الوطن الأم، وتحديدا إقليم الناظور التي تحظى بمكانة خاصة في كتاباته ورؤيته التحليلية.
وحين نغوص في مسار جمال الغازي، فإننا نكتشف إنسانا تشبع بحب الأرض الأولى، متسلحا بوعي حقوقي رصين وبصيرة نافذة تجعل من كل مقال يخطه عبر المنابر الإعلامية، وفي مقدمتها موقع “.نت”، وثيقة حية للمساءلة البناءة واستحضار الذاكرة الجماعية.

 

فهو يكتب مستلهما محطات وتفاصيل طفولية ووجدانية من شوارع وأزقة المنطقة، موثقا لتاريخ عريق لشخصيات فنية وثقافية وجمعوية طبعت تاريخ الإقليم، مثل كتاباته الإنسانية والتاريخية عن رموز الأغنية الريفية الأصيلة كالفنان الوليد ميمون، ووجوه محلية أخرى رسخت في وجدان الساكنة.

 

ولا يقتصر نبض الغازي عند حدود استرجاع أمجاد الماضي والذاكرة، بل يمتد ليشمل قضايا الحاضر الحارقة، حيث يوجه تحليلات عميقة ومنتقدة لواقع التسيير المحلي والتنمية بالناظور، مؤكدا في مناسبات عديدة أن المنطقة تستحق بديلا حقيقيا يرقَى إلى تطلعات وطموحات ساكنتها التي طالما عانت من التهميش المجالي، موازاة مع دفاعه المستميت عن حقوق مغاربة العالم وتنظيم شؤونهم الدينية والثقافية في بلدان الإقامة، وحرصه على صيانة مرجعيتهم الوطنية والهوية المشتركة. ولعل ما يثير الإعجاب حقا في شخصية جمال الغازي هو ذلك التوازن الفريد بين صرامة الخطاب الحقوقي وعمق الوعي السياسي من جهة، ودفء الانتماء العاطفي للوطن من جهة أخرى، فهو يظهر دائما في لقاءاته المصورة ومساهماته الرقمية مدافعا عن حقوق العبور، ومناديا بتعزيز قنوات التواصل المؤسساتي الشفاف بين الإدارة ومغاربة الخارج، متسلحا بلغة الحوار ومبادئ الديمقراطية وحرية التعبير.

 

إن أصدقاء جمال الغازي وكل من تتبع خطاه يدركون جيدا أنه يستحق فعلا أن تُكتب عنه أروع المقالات وأعمق الدراسات الصحفية، لأنه باختصار شديد يجسد روح المهاجر الغيور الذي لم تنل منه غربة الديار، بل زادته إصراراً على أن يظل صوته حرا، ونافذته المشرعة على إقليم الناظور نبراساً للوفاء والتألق المستمر.