تتوسط الصورة بالأبيض والأسود حجرة دراسية بسيطة يملؤها السكون والتركيز، حيث يقف الأستاذ المتميز عبد الله حديدوان شامخاً بهيبته المعهودة، مرتدياً وزرته البيضاء وملامحه تجمع بين وقار المربي وحزم الحريص على مصلحة تلاميذه. هذه الصورة المشرقة ليست مجرد وثيقة بصرية عابرة، بل هي نافذة تنفذ منها رياح الحنين لـ “الزمن الجميل”، وتختزل المعاني العميقة التي سطرها الأستاذ المتقاعد سالم مقران في سلسلته الشهيرة “أساتذة الأمس وثقافة الجهد”.

فقد توقف الأستاذ سالم مقران عند هذه الشخصية التربوية الفذة طويلاً، مبرزاً أن عبد الله حديدوان، ومعه ثلة من الرعيل الأول، لم يكونوا يشتغلون لمنطق الأجر المادي، ولم يكن التلميذ يتعلم حصد النقط؛ بل كان اللقاء اليومي رحلة مقدسة للبناء والتكوين.
وأشار مقران إلى أن الراحل، لم يكن يعمل لمجرد أداء الواجب البيروقراطي، بل كان شغوفاً بالبحث عن أعمق السبل لتجسيد المعنى الحقيقي للتربية والتعليم.
وقد تجسدت خصاله الإنسانية الفريدة وعلمه الديني المتين، إلى جانب انخراطه التطوعي في صفوف الهلال الأحمر المغربي، في طريقته الفذة؛ إذ حرص دائماً على ربط النظري بالتطبيق لإشراك التلميذ في العملية التعليمية، واستغلال مواقف الحياة اليومية لغرس الروحانيات وقيم المواطنة.
كما نوه مقران بحيويته وطلاقة لسانه ووقاره الذي لم تفلّه سن التقاعد بعد مسار حافل بالعطاء ختمه سنة 2004 بمدرسة الجديدة، ظل بعدها صوته المجلجل شاهداً على نبيل رسالته في منابر المساجد.
هذا الأثر العميق الذي وثقه الأستاذ سالم مقران تجسد بصدق مطلق في شهادات الحنين والوفاء التي تقاطرت من تلامذته وأصدقائه، لتشكل لوحة جماعية تعترف بفضل رجل كرّس حياته للعلم. فقد استحضر التلميذ شراك بنعيسى نصائحه النيرة التي رافقته منذ سبعينيات القرن الماضي، بينما اعترف حسن بأنه مدين له بالكثير، مستحضراً صرامته الممزوجة بروح هادئة، ولمسة إنسانية لم تنل منها سنوات التقدم في السن، ومستذكراً طرافة مواقفه داخل القسم حين كان يمازحهم بعد صلاة العصر.
وعكس ميمون قيمة ذلك الرعيل الذي كان يمثل فيه رجل التعليم شخصية نافذة بسلوكياته. كما أشاد تينملال نورالدين بإخلاصه المطلق وتفانيه حتى في حالات المرض، في حين أكد كموسي عبد الحفيظ أن قواعد النحو والإعراب التي زرعها لا تزال راسخة في ذهنه، وأضاف علي حيمري شهادة على عمق تربيته الروحية والأخلاقية وحرصه على تعليمهم الطهارة والصلاة جماعة.
لقد غادرنا الأستاذ عبد الله حديدوان إلى دار البقاء ، تاركاً خلفه سيرة عطرة ومساراً خالداً. رحل الجسد، وبقيت روحه حية في وجدان أبناء ، شاهدة على أن المعلم الحقيقي لا يتقاعد أبداً من حب وطنه ومجتمعه.
