شوقي العموري يكتب.. بين القيد في اللوائح، الإقامة الفعلية، وشرط الترشح الجهوي

بقلم: * شوقي العموري

بعد نقاشات مع قانونيين وأساتذة جامعيين، بدا ضرورياً إعادة طرح السؤال من بدايته، لا انطلاقاً من الانطباعات، بل من النص القانوني نفسه. لأن عبارة «السكن الدائم» التي نستعملها في الحديث اليومي ليست هي العبارة التي يستعملها القانون الانتخابي. القانون لا يسأل أين يملك الشخص منزلاً دائماً، ولا أين يقضي كل أيامه، ولا أين يعمل بالضرورة. لكنه يستعمل مفهوماً قانونياً آخر: الإقامة الفعلية والمتصلة. ومن هنا يبدأ النقاش الحقيقي.

 

القيد الانتخابي ليس هو السكن الدائم

 

القانون رقم 57.11 المتعلق باللوائح الانتخابية العامة، بصيغته المعدلة سنة 2026، لا يشترط «السكن الدائم» بالمعنى المتداول.لكنه يربط القيد، بالنسبة للحالة العادية للمواطن المقيم داخل المغرب، بالإقامة الفعلية والمتصلة في الجماعة أو المقاطعة المعنية، وفق الشروط التي حددها القانون.وهذا فرق جوهري. فقد يعمل شخص في مدينة، ويملك سكناً في مدينة أخرى، وترتبط أسرته بمدينة ثالثة، ومع ذلك لا يمكن اختزال وضعه القانوني في عنصر واحد من هذه العناصر.

 

مكان العمل وحده لا يحسم. دراسة الأبناء وحدها لا تحسم. ملكية منزل وحدها لا تحسم. وحتى شهادة السكنى لا تُفهم بمعزل عن واقع الإقامة عندما تصبح هذه الأخيرة محل نزاع.
وماذا قالت محكمة النقض؟.

 

الأحكام التي اطلعنا عليها لا تقرر أن القيد الانتخابي مستقل عن الإقامة. بل تؤكد أن الإقامة الفعلية واقعة تحتاج، عند المنازعة، إلى بحث جدي في حقيقتها ومدتها.

 

• في القرار رقم 20 الصادر في 7 يناير 2021، لم تعتبر محكمة النقض أن تاريخ شهادة السكنى هو بالضرورة تاريخ بداية الإقامة، بل شددت على ضرورة البحث في المدة الحقيقية للإقامة الفعلية.

 

• وفي القرار رقم 443 الصادر في 7 أبريل 2022، عادت المحكمة إلى المنطق نفسه: وجود شهادة لا يعفي من البحث في حقيقة الإقامة ومدتها عندما تكون المسألة محل نزاع.

 

إذن، الخلاصة ليست أن الوثائق عديمة القيمة، ولا أن كل من يعمل خارج جماعته يفقد قيده.الخلاصة الأدق هي: الإقامة الفعلية مسألة واقعية وقانونية تُقدَّر على ضوء مجموع المعطيات، لا بقرينة واحدة معزولة.

 

أين كان الخطأ في طرح السؤال؟

 

الخطأ هو أن نقول ببساطة: «هذه المرشحة تعيش أو تعمل في الرباط، إذن لا يحق لها الترشح في جهة الشرق».

 

هذه العبارة أوسع من القانون. فالترشح في الدائرة الانتخابية الجهوية لا يتطلب، كشرط مباشر، أن تكون المترشحة «ساكنة فعلياً» داخل الجهة يوم إيداع ترشيحها. الشرط المباشر الذي يهمنا في المادة 23 من القانون التنظيمي رقم 27.11 هو القيد في اللوائح الانتخابية العامة داخل الجهة المعنية، مع استيفاء باقي شروط الترشح. إذن، إذا كانت المترشحة مقيدة قانوناً في إحدى جماعات جهة الشرق، فإن مجرد عملها أو وجود جزء من حياتها اليومية خارج الجهة لا يكفي وحده لإسقاط شرط الترشح.

لكن السؤال لم ينتهِ

كون القيد هو الشرط المباشر للترشح لا يعني أن القيد نفسه يصبح فوق السؤال. هنا نعود إلى القانون 57.11. إذا كانت الإقامة الفعلية قد تغيرت فعلاً بصورة يترتب عليها قانوناً نقل القيد أو التشطيب، فهنا يصبح السؤال متعلقاً بسلامة استمرار القيد نفسه، لا بمجرد مكان العمل أو مكان دراسة الأبناء. وبالتالي السؤال القانوني الصحيح ليس:

«لماذا تترشح في الشرق وهي موجودة في الرباط؟»
بل:
«هل القيد الانتخابي الذي تعتمد عليه في جهة الشرق ما زال مستوفياً لشروط القانون 57.11، أم توجد حالة قانونية خاصة أو معطيات تثبت سلامة استمراره؟»
سيدي المسؤول… هنا فقط نريد جواباً

لسنا في حاجة إلى افتراض المخالفة، ولا إلى إصدار حكم على مرشحة بعينها. ما نطلبه أبسط من ذلك.

إذا أثيرت معطيات جدية حول انتقال الإقامة الفعلية لشخص مقيد انتخابياً من جماعة إلى أخرى، فما هو الإجراء الذي تتبعه الإدارة:

1. للتحقق من استمرار شروط القيد؟
2. وما هي عناصر الإثبات التي تعتمدها؟
3. وهل تُطبق هذه المعايير نفسها على الجميع؟
هذه هي النقطة التي تستحق النقاش.
وهنا تصبح حالة فاروق المهداوي مفيدة… ولكن بحذر

في حالة فاروق المهداوي، تم التشطيب عليه من اللوائح الانتخابية، وكانت مسألة الإقامة في صلب النزاع بحسب ما نشر وما صرح به هو نفسه. لكنه يعترض على الأساس الواقعي والقانوني للقرار، ويطعن في بعض الوثائق والتواريخ التي استندت إليها الإدارة. والمحكمة الإدارية أيدت قرار التشطيب، بينما استمر هو في الاعتراض عليه. لذلك لا يجوز أن نستعمل حالته كدليل تلقائي على أن حالة أخرى مطابقة لها.
المقارنة تصبح مشروعة فقط إذا عرفنا أن الواقعتين متشابهتان فعلاً: انتقال إقامة فعلية، استمرار قيد في جماعة سابقة، ونفس المقتضيات القانونية الواجب تطبيقها. عندها فقط يصبح السؤال عن المساواة في المعاملة سؤالاً دقيقاً وليس مجرد انطباع سياسي.

لا «مغرب بمكيالين» قبل إثبات وجود المكيالين

يمكن أن نستحضر العبارة الملكية: «فلا مكان اليوم ولا غداً، لمغرب يسير بسرعتين». لكن من الناحية القانونية، لا ينبغي أن نقفز مباشرة إلى القول إننا أمام «مغرب بمكيالين». فالنتيجتان المختلفتان قد تكونان صحيحتين إذا كانت الوقائع أو المراكز القانونية مختلفة. المكيالان يظهران فقط عندما تكون الوقائع المتشابهة خاضعة لمعيارين مختلفين. لذلك، قبل الاتهام، نطلب التوضيح. وقبل الحكم، نطلب التحقق.

سيدي المسؤول… لنضع السؤال بصيغته النهائية
• لا نسألك أين تعمل المرشحة.
• ولا أين يدرس أبناؤها.
• ولا أين تملك منزلاً.

• ولا نطلب منك أن تستنتج من هذه العناصر وحدها محل إقامتها القانونية.

نسألك فقط:
1. ما هو محل إقامتها الفعلية بالمعنى الذي يقصده القانون 57.11؟
2. وهل القيد الانتخابي داخل جهة الشرق ما زال مستوفياً لشروطه القانونية؟
وإذا كانت هناك حالة خاصة أو مقتضى قانوني يبرر استمرار القيد رغم المعطيات المتداولة، فليُشرح ذلك بوضوح. وإذا كانت الإدارة قد تحققت من الوضعية، فليكن الجواب بالقانون والوقائع.
نحن لا نطالب بنتيجة محددة. نطالب بمعيار واضح، وتحقيق متساوٍ، وقانون واحد للجميع. غطِّ الأسماء، قارن الوقائع، ثم طبّق النص. فإن اختلفت النتيجة لأن الوقائع مختلفة، فذلك هو القانون. أما إذا تشابهت الوقائع واختلف المعيار، فعندها فقط يصبح سؤال «المكيالين» مشروعاً.

*كاتب رأي