⚫ حين ترتجف الأحلام على عتبات البدايات: الفقيد الأستاذ الشاب البشير باحيج
الحياة في أبسط تعريفاتها رحلة قصيرة، لكنها تبدو أقصر وأشد قسوة حين تتوقف قطاراتها قبل أن تبلغ المحطة الأولى.
هناك قصص تمر مرور الكرام، وأخرى تترك في الروح ندوباً لا تُخطئها العاطفة ولا يمحوها مرور الأيام. ومن أوجع القصص تلك التي تتقاطع فيها طموحات الشباب الواعد مع فجائع القدر الخاطفة، لتتحول زغاريد الاستعداد وبدايات الحكاية إلى بكاء صامت وصدمة لا تصدق.

في مدينة كلميم، وعلى وقع الترتيبات الأخيرة لاستقبال الدخول المدرسي الجديد، كانت الأجواء تفوح برائحة البدايات. كان الأستاذ الشاب البشير باحيج، خريج التربية البدنية حديث العهد بالتخرج، يعيش أيامه الأكثر إشراقاً. سنوات من التحصيل، والسهر، والركض خلف حلم الطفولة والشباب، تتجسد في موعد قريب جداً: يوم الأربعاء الموالي لتوقيع محضر الدخول، والوقوف لأول مرة أمام التلاميذ، مرتدياً هندامه المهني ومحملاً بشغف طالما انتظره ليغرس في نفوس الناشئة قيَم الحركة والحياة. كان يرى في قاعات الرياضة والملاعب رحبة لمستقبل يبنيه بعرق جبينه وصدق عزيمته.
لكن الموت لا يستأذن أحداً، وغالباً ما يأتي على غفلة من تفاصيل الغد.
مساء الأحد، وعند المنعرجات المعروفة محلياً بـ”أخفوضار” عند المدخل الشمالي لمدينة آسا، تلك النقطة الطرقية التي طالما شكلت هلعاً للمسافرين وحصدت الكثير من الأرواح، تحولت رحلة العائلة البريئة إلى فاجعة كبرى. السيارة التي كانت تقل البشير رفقة خمسة أفراد من أسرته تعرضت لحادث انقلاب مروع. وفي لحظات خاطفة، انطفت شمعة البشير وشقيقته اللذين فارقا الحياة في عين المكان، ليرحلا معاً كما عاشا معاً، تاركين خلفهما ذهولاً تاماً وحزناً عميقاً غلف سماء المنطقة.
ولم توقف الأقدار سياطها عند هذا الحد، بل خلفت وراءها جرحاً نازفاً في الجسد والعائلة؛ حيث نُقلت شقيقته الأخرى ووالدته وجدته إلى المستشفى في حالة حرجة، يصارعن الألم الجسدي وفاجعة فقدان السند والأحباء في آن واحد. بيوت بأكملها تهدم طمأنينتها في رمشة عين، وأمهات ينتظربن عودة الأبناء بالزغاريد، فإذا بهن يستقبلن نعوشاً ودموعاً لا تنقطع.
إن رحيل البشير ومن معه يطرح في ذهن كل متأمل أسئلة قاسية حول هشاشة الإنسان أمام تقلبات الأقدار. كيف لشخص كان يعد الساعات للقاء تلاميذه أن يغادر الحياة قبل أن يخطو خطوته المهنية الأولى؟ وكيف للأحلام الكبيرة أن تختفي في منحنى طرقي غادر؟
لكن العزاء الوحيد في مثل هذه المآسي يكمن في إنسانيتنا المشتركة، وفي قدرتنا على التضامن والدعاء. إن ذكرى البشير باحيج ستظل محفورة في قلوب كل من عرفوه، وكل من سمع بقصته المؤلمة، كرمز للشباب الطموح الذي مات دون أن يروي عطشه من الحياة.
رحم الله الأستاذ البشير باحيج وشقيقته، وتغمدهما بواسع مغفرته ورضوانه، وأسكنهما فسيح جناته مع الصديقين والشهداء والصالحين. ونسأل الله العلي القدير أن يمنَّ بالشفاء العاجل والشفاء التام على والدته وشقيقته وجدته، وأن يربط على قلوب أفراد العائلة والأقارب والمعارف، ويلهمهم الصبر الجميل والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
