حنين إلى عبق الماضي.. عندما كانت “مدينة الورود” وحديقتها الأندلسية جوهرة تسر الناظرين

تظل الذاكرة الجماعية لمدينة محفورة بعبق الماضي وأريج الذكريات، حارسةً لأمجاد مدينة عُرفت يوماً بـ “مدينة الورود”، تفوح جنباتها بعطور مسك الليل والياسمين. وفي قلب هذا التاريخ المنسي، تتربع “الحديقة الأندلسية” كأبرز معلمة عانقت عهد الاستعمار الإسباني لتتحول إلى تحفة معمارية وفنية نادرة، كانت تستقطب حتى العرسان القادمين من مدينة مليلية لالتقاط صور تذكارية خالدة في أحضان جمالها الآسر.

أيقونة معمارية وواحة للجمال والأنس

 

تعود جذور تأسيس هذه الحديقة إلى أربعينيات القرن الماضي، حيث شكلت لوحة فنية متكاملة العناصر. فقد تميزت بهندسة معمارية أندلسية دقيقة، وتوسطتها نافورة فريدة تحيط بجانبها حنفيات على شكل ضفادع من النحاس، يتدفق منها شريط مائي هادئ يصب في الوسط ليخلق سكوناً ساحراً. كما ازدانت الممرات بأعمدة رومانية متناسقة تحمل عريشات خشبية تلتف حولها أزهار متسلقة، وتظللها أشجار النخيل الشامخة والصفصاف والتوت التي كانت تفرش جنبات الطرقات بظلالها الخضراء.

 

لم تكن الحديقة مجرد فضاء أخضر، بل كانت نبض المدينة وملتقى عائلاتها وشبابها. فعلى إيقاع أصوات الأطيار ومكبرات الصوت التي تبث ألحاناً هادئة، كانت الأجيال تعيش طفولتها؛ حيث كان الأطفال يستمتعون بألعابهم البسيطة، بينما يتخذها التلاميذ والطلبة ملاذاً هادئاً لمراجعة الدروس تحسباً للامتحانات، متقاسمين أوقات الراحة على طعم “خبز وزيتون وشربة ماء”، أو متجمعين للعب الدومينو والبارتشي في جو يطبعه الدفء والصفاء الإنساني.

 

ذاكرة حية وحراسة مشددة
تستحضر شهادات الرواد، من أمثال الطاهر الزياني، كيف كانت الحديقة محروسة ومحمية بعناية فائقة، بفضل حرص الحارس الراحل “أعنانو” الذي لم يكن يتوانى في حفظ نظامها ونظافتها، مستفيدة من قوارب الأمان التي يوفرها قربها من مركز الدرك الملكي. ومع تعاقب العقود، تحولت أركان من الحديقة إلى مقاهٍ ومقاصف لطيفة، مثل مقهى اليزيد أجعير وحسن مبروك، والتي شكلت نوادي ومقرات لفرق رياضية محلية كـ “اتحاد ”، وملتقى للأصدقاء والعائلات في الأعياد والمواسم.

 

من أريج مسك الليل إلى واقع الإهمال

 

لكن، وكما هو حال الكثير من المعالم التاريخية والتراثية بالمغرب، طال التهميش والنسيان هذه الجوهرة البيئية. فقد تحولت هندستها الأصلية بفعل التدخلات العشوائية، وتلاشت معالمها شيئاً فشيئاً لتفقد رونقها. وبدل أن تبقى روائح مسك الليل والورود تفوح من على بعد، أصبحت الشكاوى تتسابق حول تراجع جماليتها، وغياب العناية بها، لتتحول في نظر البعض إلى مساحة تشكوا الإهمال بعد أن كانت مبعث فخر واعتزاز لأبناء المنطقة.

 

إن إهمال الذاكرة التاريخية والمعالم العمرانية ب، بدءاً من الحديقة الأندلسية وصولاً إلى شواهد الحقبة الإسبانية الأخرى، يطرح علامات استفهام كبرى حول غياب استراتيجيات تثمين التراث المحلي. ويحدو أبناء المدينة أمل عميق في أن تُبعث الروح في هذه المعالم عبر لجان يقظة ومبادرات جادة تعيد الاعتبار لماضي العريق، علّها تستعيد يوماً شيئاً من مجدها الغابر الذي لا زالت تحكيه الصور النادرة وذكريات جيل الطفولة والشباب.