في مشهد ثقافي وطني تتنازع أطرافه أهواء المركزية وتقلبات الدعم، تظل سيرة الشاعر المغربي الراحل عبد السلام بوحجر (1955-2019) عنواناً ساطعاً لنبوغ شعري استثنائي اصطدم بجداره العازل من الإقصاء، وصوتًا مدوياً أثبت أن الإبداع الحقيقي يولد من رحم المعاناة ويقاوم رياح النسيان.
فقد وُلد ابن قرية “بني بوفراح” بإقليم الحسيمة ليحمل على كتفيه هموم لغة تضج بالحياة ومساراً حياتياً شاقاً تنقل خلاله بين تازة وفاس ووجدة، مكرساً أيامه لتدريس اللغة العربية ولنحت قصائد فارقة تركت بصمتها الواضحة في خريطة الشعر المغربي المعاصر عبر أعمال متميزة من قبيل “أجراس الأمل”، و”إيقاع عربي خارج الموت”، ومسرحية “الصخرة السوداء”، وصولاً إلى ديوانه “الغناء على مقام الهاء”.
ولم تكن مسيرة بوحجر مساراً عابراً، بل طبعتها لحظات إشراق كبرى توجت بفوزه المستحق بالجائزة الأولى في المسابقة الدولية لأحسن قصيدة عن رائعته “مقام القدس العالي” سنة 2009، ومنحه لقب “شاعر الجماليات العليا” سنة 2018، قبل أن يترجل عن صهوة الحياة في مطلع يناير 2019 بالمستشفى الجامعي بوجدة بعد معاناة طويلة مع المرض.
ولم يقتصر امتداد الشاعر عبد السلام بوحجر الإنساني والإبداعي على النطاق الوطني العام، بل نسج وشائج حب وعلاقة وطيدة ومتميزة بمدينة وساحتها الثقافية؛ فقد كان الراحل يتردد عليها كثيراً قيد حياته، ومشارِكاً بقلمه وقراءاته في مختلف أمسياتها ومهرجاناتها الشعرية. وتشهد على ذلك محطات وتوثيقات بصرية، حيث يظهر مترئساً لجنة تحكيم، ومكرماً، ومتفاعلاً بحرارة مع المواهب الصاعدة، مما يعكس عمق الأثر الطيب والبصمة الخالدة التي تركها في وجدان أهل المدينة وشعرائها ترجمة لروح الوفاء والمحبة المتبادلة.
وتتجسد أسمى معاني هذا الوفاء اليوم في كون النسخة الثالثة للمهرجان الجهوي للشعر ب، التي تقام قريباً، تحمل دلالة إنسانية وإبداعية عميقة من خلال إهدائها لروح الشاعر الكبير عبد السلام بوحجر، استحضاراً لمسيرته الحافلة وما عاناه قيد حياته من تهميش وإقصاء رغم نبوغه الشعري الفريد.
واليوم، حين تستعيد الذاكرة الجماعية لشرق المغرب وجه هذا الرمز الإبداعي وتتخذ من روحه مناراً للتحدي في وجه التهميش المؤسساتي، فإنها تعيد الاعتبار لصفوة من الأسماء التي أعطت للكلمة النقية معناها، مؤكدة أن الخلود للأصالة وحدها، وأن وهج الشعر الحقيقي يظل أبد الدهر أقدر على قهر العتمة والنسيان.






