في تلك البقعة السحرية من تخوم الشمال، حيث يمتزج ملح البحر بعبير الذاكرة، ويولد الحرف على صخور الريف الأبيّة قبل أن يستوي حبراً على ورق، يتوسد جمال أزراغيد عرش الكلمة. إنه ليس مجرد اسم يُضاف إلى زحام السجلات، بل هو راهب تفرّغ في محراب الإبداع المغربي المعاصر، فاتخذ من القصيدة طقساً مقدساً، ومن الوجع الإنساني لغة تلامس شغاف القلوب.
ولد في فاتح فبراير من عام 1962 بمدينة الناظور؛ تلك المدينة النابضة التي تدرك جيداً أن الحدود ليست مجرد خطوط رسمتها الخرائط، بل هي أسئلة عميقة تحفر في الذاكرة والوجدان.

تخرج حاملاً إجازة في اللغة العربية وآدابها من رحاب كلية الآداب بوجدة سنة 1986، لكن شهادته الكبرى وحكايته الحقيقية خطّها بتباشير الطباشير في أقسام التدريس بالحسيمة. هناك، بين أطفال يعانقون الحلم، أدرك ببصيرته أن الحرف إذا لم ينزل إلى عمق الروح ويلامس نبض الناس، فلن يعدو كونه ترفاً عابراً، وأن الشعر الحق هو الذي يعانق آلام البشر وآمالهم. ومن فضاء المدرسة إلى دروب العمل الجمعوي والثقافي، لم يكن عابراً سبيل، بل كان مؤسساً وبانياً وروحاً تضج بالحياة. خطّ إبداعاته بماء الذهب في منابر وطنية وعربية وازنة، من “القدس العربي” و”الاتحاد الاشتراكي” إلى “أنوال” و”العلم”، إيماناً منه بأن شرف الكلمة لا يرتضي إلا بالمكان الذي يليق بها.
لم تكن تجربة أزراغيد الشعرية يوماً صدىً لما قيل، ولا استساغةً لموسيقى معلبة أو بحور مستهلكة؛ بل هي رحلة غوص في مجاهل اللغة، ومغامرة مستمرة نحو أفق التجديد. يستقي رموزه من بيئته الأم.. من البحر الهائج، والماء الجاري، والتراب الحنون.
البحر عنده ليس طิวحاً أزرق، بل هو امتداد وقلق أزلي؛ والماء ذاكرة سائلة لا تلتفت للوراء؛ والتراب هوية نتحسسها بأقدامنا ونسكنها في حدقات العيون. من هذا المعين الثرّ، انبثق صوت يرتفع باسم الإنسان المغربي والأمازيغي، متمنعاً عن السقوط في فخ الخطابة الباردة أو الحنين الباكي.
حين أصدر ديوانه الأول “أسماء بحجم الرؤى” بالرباط عام 1998، أهدى للقارئ نصاً نثرياً كثيفاً، محملاً بالإيحاءات، يرفض أن يشرح نفسه بنفسه، بل يترك العنان للقارئ لكي يبحر في لجيجه، فالمعنى عند أزراغيد لا يُقدم على طبق من ذهب، بل يُكتشف ككنز دفين. ثم أتى ديوان “سمائي خفيفة… أيها البياض” صلاةً شفيفة تخفف وطأة ثقل هذا العالم، وتجعل من القصيدة مرفأً للارتواء والتنفس.
وفي “غنج مجازي” و”كأني ذاهب إلى حرب”، يرتفع الصوت الشعري صفاءً وعمقاً؛ فـ”الغنج” هنا هو قدرة المجاز السحرية على ترويض خشونة الواقع، و”الحرب” ليست آلة دمار، بل هي صراع الذات النبيل مع الزمن والهوية، ومع ذلك الصمت الرهيب الذي يطبق على أنفاس الإنسان.
السرّ في شعرية جمال أزراغيد أنه لا يتخذ من الريف موضوعاً خارجياً يتغنى به من ترف المسافات؛ بل يكتب من الريف، من عتمة الداخل حيث تراقب عيون البحر تفاصيل الحكاية، وحيث تحفظ الجبال العالية أسماء العاشقين والمقاومين. قصيدته لا تصرخ بصوت عالٍ لتلفت الانتباه، بل تهمس بدفء حتى تسمع دقات القلب البشري وهو ينبض بالحياة.
إنه ينتمي إلى جيل من المبدعين الكبار الذين أثروا الساحة الشعرية في المغرب بعامة وفي منطقة الريف بخاصة، جيل يؤمن يقيناً أن الشعر ليس وظيفة تُؤدى، بل هو شهادة حية.. شهادة على أن الإنسان هنا ما زال يحلم رغم العتمة، وما زال يقاوم، وما زال يصرّ على تسمية الأشياء بأسمائها الحقيقية.
هكذا إذن، لا يختزل جمال أزراغيد في قائمة كتب وديوانيات؛ إنه صوت فريد ينطلق من الناظور، ليعانق أمواج الحسيمة، ويفيض في وجدة، ويصل كنسيم عذب إلى كل من قرأ له حرفاً فأدرك أن الشعر يمكن حقاً أن يكون بيتاً.. بيتاً من ماء وتراب ونور، يسكنه راهب لا يبيع الكلام، بل يهبه للروح بلا حدود.
