عاد ملف توقيف الخطباء إلى الواجهة من جديد، وهذه المرة من مدينة بركان، بعدما تداولت مصادر محلية معطيات تفيد بتوقيف ذ.سعيد الطاهري، خطيب مسجد الغفران، عن أداء مهمة الخطابة، على خلفية مضمون إحدى خطبه الأخيرة التي تناولت موضوع “الوطن والمواطنة بين الحقوق والواجبات”، وتطرقت، بحسب المصادر نفسها، إلى تداعيات أحداث سبتة ومحاولات الهجرة الجماعية للشباب.
وبحسب المعطيات المتداولة، فقد أُبلغ الخطيب بأن قرار توقيفه مرتبط بمخالفة الضوابط القانونية المؤطرة للخطبة. وهنا تبرز المفارقة التي أثارت أسئلة لدى عدد من المتابعين والمعلقين، فإذا كان موضوع الوطن والمواطنة نفسه معتمدا رسميا من الوزارة، فأين تبدأ حدود المسموح للخطيب وأين تنتهي؟ وهل يصبح الحديث عن قضايا اجتماعية واقتصادية مرتبطة بالهجرة والنزوح الجماعي للشباب خروجا عن ضوابط الخطبة؟
ليست هذه المرة الأولى التي يثير فيها توقيف خطيب جدلا واسعا. فقد سبق أن ارتبطت توقيفات سابقة بخطب تناول أصحابها قضايا اعتبرها الرأي العام جزء من مسؤولية منبر الجمعة، من التحذير من بعض مظاهر الانحلال الأخلاقي ومفاسد المهرجانات، إلى الحديث عن قضايا المجتمع وهموم الأمة.
وقد سبق أن أثارت حالات توقيف خطباء تحدثوا عن مهرجانات فنية جدلا حقوقيا ومجتمعيا، فهل بات يُطلب من الخطيب اليوم ألا يتجاوز حدود قراءة ما كتب له بالورقة، وهل كل من تجاسر على تجاوز هذا السقف وسولت له نفسه التحدث عن معاناة ووقائع يعيشها الناس فمصيره الطرد والإبعاد؟
فإذا كان من حق الوزارة تنظيم الحقل الديني وضمان احترام الضوابط القانونية، فإن من حق المجتمع أيضا أن يفهم طبيعة هذه الضوابط وحدودها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بخطيب يتناول قضايا عامة تهم ملايين المغاربة.
المفارقة الغريبة والمثيرة في الآن نفسه حين تقدم وزارة الأوقاف مشروع “تسديد التبليغ” باعتباره ورشا لتطوير الخطاب الديني وتجديد أدوات التبليغ والإرشاد. لكن كيف يمكن لخطاب ديني أن يكون مؤثرا إذا ظل بعيدا عن الملفات التي تشغل المواطن؟
فالشباب يتابعون يوميا قضايا البطالة والهجرة وغلاء المعيشة وتفكك الأسرة والمخدرات والمهرجانات ومظاهر الانحلال الأخلاقي، ويتفاعلون مع الحرب في فلسطين وقضايا الأمة، بينما يحتاجون إلى خطاب ديني يشرح لهم هذه القضايا ويمنحهم رؤية متوازنة ومسؤولة نجد أن الخطاب الديني الرسمي يقصي ويُبعد كل خطيب أو داعية يحاول التفاعل مع هذه القضايا.
