لماذا تملك أمريكا معلما تاريخيا وطنيا في طنجة؟.. قصة مبنى عمره أكثر من قرنين

في أحد أزقة المدينة القديمة بطنجة، يحمل شارع ضيق اسما يبدو للوهلة الأولى غريبا عن محيطه، “زنقة أمريكا”. هنا، خلف أبواب مبنى عتيق تتداخل في جدرانه العمارة المغربية والأثر الأوروبي، توجد قطعة فريدة من التاريخ الأمريكي خارج حدود الولايات المتحدة.

إنها المفوضية الأمريكية بطنجة، أول عقار عمومي امتلكته الولايات المتحدة خارج أراضيها، والموقع الوحيد الموجود خارج البلاد الذي يحمل صفة “معلم تاريخي وطني” أمريكي.

 

وبعد أكثر من قرنين على دخول الأمريكيين إليه، ما زال المبنى يستقبل الزوار. وأعادته وكالة الأنباء الإسبانية “إفي” إلى الواجهة بعدما أنجزت ربورتاجا من طنجة، يظهر عشرات السياح أمام المفوضية وهم يرددون أغنية “Take Me Home, Country Roads” للمغني الأمريكي جون دنفر.

 

لكن خلف المشهد السياحي قصة أطول بكثير، تبدأ في زمن كانت فيه الولايات المتحدة دولة فتية تبحث عن اعتراف دولي وعلاقات تجارية خارج القارة الأمريكية.

 

في سنة 1821، قدم السلطان مولاي سليمان العقار هدية إلى الولايات المتحدة، في خطوة كرست علاقة دبلوماسية تعود جذورها إلى القرن الثامن عشر.

 

وكان المغرب من أوائل الدول التي أقامت علاقات مع الولايات المتحدة، قبل توقيع معاهدة الصداقة المغربية الأمريكية سنة 1786، وهي من أقدم الاتفاقيات الدبلوماسية المستمرة في التاريخ الأمريكي.

 

منذ ذلك التاريخ، أصبحت المفوضية عنوانا للحضور الأمريكي في طنجة.

 

وعلى مدى نحو 140 عاما، عبرت غرفها أجيال من الدبلوماسيين والقناصل والمسؤولين الأمريكيين. وشكل المبنى مقرا للبعثة الدبلوماسية الأمريكية وإقامة لبعض ممثلي واشنطن في المغرب.

 

كانت طنجة حينها مدينة دولية ومركزا للتجارة والدبلوماسية والتنافس بين القوى الأجنبية،والله فيما منحت المفوضية الولايات المتحدة موقعا دائما داخل هذه البيئة السياسية الحساسة.

 

ولم تكن الملفات التي مرت من داخل المبنى مرتبطة بالعلاقات المغربية الأمريكية وحدها.

 

في سنة 1860، ارتبطت المفوضية بالمفاوضات المتعلقة بمنارة رأس سبارطيل عند مدخل مضيق جبل طارق. وأفضت تلك المرحلة إلى اتفاق دولي لتنظيم إدارة المنارة، في تجربة تصفها مصادر دبلوماسية أمريكية بأنها من النماذج المبكرة للتعاون الدولي متعدد الأطراف.

 

ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، انتقل المبنى إلى فصل آخر.

أصبحت طنجة موقعا استراتيجيا بسبب قربها من أوروبا وإطلالتها على المضيق. واستضافت المفوضية مسؤولين أمريكيين عملوا في الدبلوماسية والاستخبارات والجيش خلال الفترة التي سبقت عملية “تورش” سنة 1942، عندما نزلت قوات الحلفاء في شمال إفريقيا.

وعندما حصل المغرب على استقلاله سنة 1956 وانتقل مركز العمل الدبلوماسي الأمريكي إلى الرباط، انتهت تدريجيا الوظيفة السياسية التي عاشت عليها المفوضية أكثر من قرن. لكن المبنى لم يغلق أبوابه.

استعمل لفترة في تعليم اللغات وتكوين الدبلوماسيين، ثم في تدريب متطوعي فيلق السلام الأمريكي، قبل أن يتولى معهد المفوضية الأمريكية للدراسات المغربية إدارة الموقع خلال سبعينيات القرن الماضي.

ومع مرور السنوات، تحولت الدبلوماسية إلى ذاكرة.

داخل المبنى اليوم توجد مكتبة بحثية وأرشيف ولوحات وخرائط وكتب ووثائق وقطع تحكي مراحل مختلفة من تاريخ طنجة والعلاقات المغربية الأمريكية.

وتحولت الغرف التي كانت تستقبل الدبلوماسيين إلى فضاءات للباحثين والزوار والمهتمين بتاريخ المدينة.

وفي سنة 1981، أدرج العقار في السجل الوطني الأمريكي للأماكن التاريخية. وبعد عام واحد، وتحديدا في 17 دجنبر 1982، حصل على تصنيف “معلم تاريخي وطني”.

ذلك القرار منح المفوضية وضعا استثنائيا ما زالت تحتفظ به حتى اليوم، فهي الموقع الوحيد المصنف بهذه الصفة من جانب الولايات المتحدة والموجود خارج التراب الأمريكي.

غير أن بلوغ المبنى قرنه الثالث وضع سؤال الحفاظ عليه في الواجهة.

فالجدران والأسقف والمرافق التي حملت أكثر من مئتي عام من التاريخ تحتاج إلى عمليات صيانة وترميم مستمرة. وفي 2024، أدرج الصندوق الوطني الأمريكي للحفاظ على التاريخ المفوضية ضمن قائمته لأحد عشر موقعا تاريخيا مهددا، في محاولة للفت الانتباه إلى حاجتها إلى موارد إضافية لحماية بنيتها وتراثها.

وهكذا، لا تبدو المفوضية الأمريكية في طنجة مجرد متحف داخل المدينة القديمة.

إنها أثر مادي لعلاقة بدأت عندما كانت الولايات المتحدة نفسها في سنواتها الأولى، وقطعة من التاريخ الأمريكي ظلت مستقرة في قلب طنجة رغم تغير الدول والحروب والتحولات السياسية.

وبينما يعبر السياح اليوم زنقة أمريكا ويلتقطون الصور أمام أبواب المبنى، تظل حقيقة تاريخية غير مألوفة قائمة خلف تلك الجدران.

أحد المعالم الوطنية للولايات المتحدة لا يوجد في واشنطن أو نيويورك أو بوسطن، بل في قلب المدينة القديمة لطنجة، داخل عقار قدمه سلطان مغربي إلى الأمريكيين سنة 1821 وما زالت واشنطن تملكه بعد أكثر من قرنين.