تكشف واقعة مقتل مواطن مغربي من أبناء الجالية المقيمة بالخارج، أول أمس الاثنين، عقب شجار داخل ملهى ليلي بمارينا السعيدية، عن جانب مقلق من واقع المدينة خلال ذروة موسم الاصطياف، وتطرح من جديد سؤالا كبيرا: صيف السعيدية إلى أين؟
فبعيدا عن العبارات الدبلوماسية التي تكتفي بتعداد إيجابيات الموسم الصيفي، وعن صور الشواطئ الممتلئة والمطاعم والمقاهي والحركة السياحية، تفرض بعض الوقائع نفسها بقوة، وتدعو إلى التوقف عند مكامن الخلل التي باتت تؤثر على صورة السعيدية ومكانتها كواحدة من أبرز الوجهات السياحية بالمغرب.
لا أحد ينكر أن السعيدية تعرف خلال فصل الصيف إقبالا كبيرا من الزوار والمصطافين، سواء من مختلف المدن المغربية أو من أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، وهو ما يمنح المدينة حركة اقتصادية وسياحية مهمة. لكن، في المقابل، لا يمكن تجاهل مظاهر الفوضى التي تتزايد مع ارتفاع عدد الوافدين.
وتأتي الجريمة الأخيرة بمارينا السعيدية لتعيد إلى الواجهة ملف الأمن والسلوكيات المرتبطة ببعض الفضاءات الليلية، خصوصا أن الأمر يتعلق بوفاة شاب في مقتبل العمر إثر شجار، وهي واقعة مؤلمة تستدعي الوقوف عند الظروف التي أحاطت بها، وطرح تساؤلات حول مستوى المراقبة والتدبير الأمني داخل بعض الأماكن التي تعرف اكتظاظا كبيرا خلال فصل الصيف.
ومن بين أبرز الظواهر التي تثير قلق عدد من سكان السعيدية وزوارها، الانتشار اللافت لترويج واستهلاك المخدرات بمختلف أنواعها، في ظل أجواء الصيف التي تعرف كثافة بشرية كبيرة وحياة ليلية نشطة.
ولا يتعلق الأمر فقط بمشكلة أمنية، بل بظاهرة لها انعكاسات اجتماعية وصحية خطيرة، خصوصا على فئة الشباب، الأمر الذي يستدعي تكثيف عمليات المراقبة ومحاربة شبكات الترويج، بدل الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها بعد وقوع المشاكل.
كما تبرز خلال موسم الاصطياف مظاهر مرتبطة بـالدعارة واستقطاب بعض ممتهناتها إلى المدينة خلال فصل الصيف، وهي ظاهرة يرى عدد من المتابعين أنها تسيء إلى صورة السعيدية وتنعكس سلبا على الفضاء العام، خصوصا عندما تنتقل هذه المظاهر إلى الشوارع والأماكن المفتوحة.
والمطلوب هنا ليس إطلاق أحكام عامة على زوار المدينة أو مرتادي فضاءاتها الليلية، وإنما التعامل مع أي ممارسات غير قانونية أو مخلة بالنظام العام وفق القانون، حفاظا على صورة المدينة وعلى راحة الأسر والمصطافين.
وإذا كان الأمن بمعناه الجنائي أحد التحديات، فإن الفوضى المرورية تمثل بدورها مشكلة يومية خلال الصيف.
اختناقات مرورية خانقة، اكتظاظ كبير، صعوبة في التنقل، واحتلال لبعض الفضاءات والشوارع من طرف أشخاص يتعاملون معها وكأنها ملكية خاصة، كلها مشاهد تثير استياء السكان والزوار، وتحول بعض المناطق إلى فضاءات يصعب المرور عبرها، خصوصا في ساعات الذروة.
الأكثر إثارة للقلق هو أن بعض مظاهر هذه الفوضى تتجاوز مجرد عرقلة السير، لتصل أحيانا إلى سلوكيات عدوانية واعتداءات على المواطنين، وهو ما يجعل التدخل الصارم للجهات المختصة ضرورة لضمان احترام القانون وحماية الأشخاص والممتلكات.
السعيدية ليست مجرد شاطئ ومقاهٍ ومطاعم وفنادق وفضاءات ترفيهية. إنها مدينة سياحية يفترض أن تكون عنوانا للأمن والنظام وحسن الاستقبال، خصوصا خلال الفترة التي تستقطب فيها عشرات الآلاف من الزوار.
ولذلك، فإن الحديث عن نجاح الموسم الصيفي لا ينبغي أن يقتصر على حجم الإقبال أو الرواج التجاري، بل يجب أن يشمل أيضا مستوى الأمن، ونظافة الفضاء العام، وانسيابية حركة المرور، ومحاربة المخدرات، والتصدي للاعتداءات وكل الممارسات غير القانونية.
إن مقتل شاب داخل فضاء ترفيهي لا ينبغي أن يمر كواقعة معزولة، بل يجب أن يكون مناسبة لطرح الأسئلة الضرورية حول ما يجري في بعض فضاءات السعيدية خلال الصيف.
السعيدية تستحق موسما يليق بمكانتها السياحية، وصيفا عنوانه الأمن والنظام والاحترام، لا الفوضى والاعتداءات والمخدرات ومظاهر تسيء إلى صورة “الجوهرة الزرقاء”.
