شواطئ الدريوش الساحرة.. جمال استثنائي وإهمال يثير التساؤلات

يمتلك إقليم الدريوش واحدة من أبرز الثروات الطبيعية التي يمكن أن تشكل رافعة حقيقية لتنميته الاقتصادية والاجتماعية، ويتعلق الأمر بشريط ساحلي طويل على البحر الأبيض المتوسط، يحتضن عدداً من الشواطئ التي تتميز بجمال طبيعي استثنائي، ونقاء المياه، والهدوء، واتساع المجالات الرملية.

غير أن المفارقة الصارخة تتمثل في أن هذه المؤهلات، التي يمكن أن تجعل من الدريوش وجهة سياحية منافسة لأبرز المناطق الساحلية بشمال المملكة، ما تزال تعاني من ضعف واضح في التثمين والاستثمار والترويج.

 

فشواطئ من قبيل سيدي بوسعيد بأمجاو، وارحاش باتروكوت، وغانسو بآيث سعيذ، وحمام الشعابي بدار الكبداني، لا ينقصها شيء من حيث المؤهلات الطبيعية حتى تستقطب أعداداً أكبر من المصطافين، بل إن بعضها يتوفر على مقومات تجعلها أكثر جاذبية من عدد من الشواطئ التي تحولت، بفضل الاستثمار والتجهيز والترويج، إلى وجهات سياحية معروفة وطنياً. لكن الفارق يكمن أساساً في البنية التحتية، وجودة الخدمات، وحجم الاستثمار، وحضور هذه المناطق في أجندة السياسات المحلية والجهوية والوطنية.

 

وهنا تبرز مسؤولية المنتخبين المحليين بشكل واضح، باعتبارهم الأقرب إلى واقع الإقليم والأكثر قدرة على نقل انتظارات الساكنة والدفاع عن مصالح مناطقهم داخل المؤسسات المنتخبة. فالمؤهلات الطبيعية وحدها لا تصنع وجهة سياحية، وإنما تحتاج إلى رؤية واضحة، وبرامج عملية، ومشاريع مهيكلة، ومرافعة مستمرة من أجل توفير الطرق والمسالك، ومواقف السيارات، والمرافق الصحية، والإنارة، والتشوير، والنظافة، والتهيئة، فضلاً عن توفير شروط استقبال المستثمرين وتشجيع المشاريع السياحية والخدماتية.

 

ولا يمكن أن يبقى التعامل مع شواطئ الإقليم محصوراً في الاستعدادات الموسمية أو تركيب الأكشاك التجارية مع بداية الصيف. فالموسم الصيفي ينتهي، بينما تظل الحاجة قائمة إلى رؤية تمتد على مدار السنة، تجعل من الساحل الدريوشي جزءاً من استراتيجية تنموية متكاملة. ومن غير المنطقي أن تختزل ثروة طبيعية بهذا الحجم في بضعة أسابيع من الاصطياف، دون أن تتحول إلى نشاط اقتصادي مستدام قادر على خلق فرص الشغل وتحريك الاستثمار وتحسين مداخيل الساكنة.

 

وتتحمل المجالس المنتخبة المحلية، كل من موقعه واختصاصه، مسؤولية كبيرة في هذا الجانب، سواء تعلق الأمر بتهيئة المحيط الساحلي، أو تحسين الولوج إلى الشواطئ، أو تنظيم الملك العمومي، أو تشجيع الأنشطة الاقتصادية والسياحية، أو الدفاع عن برمجة المشاريع الضرورية. كما أن ضعف الحضور السياسي والمؤسساتي لهذا الملف يطرح بدوره أسئلة مشروعة حول مدى قدرة المنتخبين على تحويل المؤهلات التي يزخر بها الإقليم إلى مطالب تنموية ملموسة ومشاريع قابلة للتنفيذ.

 

أما النواب البرلمانيون الذين يمثلون الإقليم، فتقع على عاتقهم مسؤولية أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في نقل قضايا الدريوش إلى المؤسسة التشريعية والحكومة، والدفاع عن إدراج الساحل ضمن البرامج والاستراتيجيات الوطنية المتعلقة بالسياحة والبنيات التحتية والاقتصاد الأزرق والتنمية المجالية. فالتمثيلية البرلمانية لا ينبغي أن تختزل في الحضور داخل البرلمان أو طرح أسئلة متفرقة، وإنما يفترض أن تتحول إلى قوة اقتراح ومرافعة من أجل جلب المشاريع والاستثمارات إلى الإقليم.

 

إن المقارنة مع شواطئ الحسيمة والناظور وباقي مناطق شمال المملكة تكشف بوضوح أن الجمال الطبيعي ليس العامل الوحيد في صناعة السياحة. فهناك مناطق استطاعت أن تحول شواطئها إلى علامات سياحية بفضل الاستثمار في الطرق والتهيئة والخدمات والترويج، بينما لا يزال جزء مهم من ساحل الدريوش ينتظر الانتقال من مرحلة الحديث عن المؤهلات إلى مرحلة استثمارها فعلياً.

 

كما أن الثروة السمكية التي يتوفر عليها الدريوش تمنح المنطقة فرصة إضافية لبناء نموذج محلي للاقتصاد الأزرق يجمع بين السياحة والصيد والخدمات والأنشطة البحرية. وهذا يتطلب، بدوره، منتخبين قادرين على صياغة المشاريع والمرافعة عنها، وبرلمانيين قادرين على إيصال الملف إلى دوائر القرار، بدل ترك هذه المؤهلات الطبيعية تظل رهينة الاستغلال المحدود والموسمي.