بين القبور والشارع.. قاصران من تطوان يتخذان مقبرة في سبتة ملاذا للنوم

لم يجد محمد وفؤاد، القاصران المنحدران من مدينة تطوان، بعد وصولهما إلى سبتة خلال موجة العبور الجماعي الأخيرة، سوى مقبرة سيدي امبارك مكانا مؤقتا يحتميان فيه خلال الليل.

محمد، البالغ من العمر 15 سنة، وفؤاد، الذي يبلغ 17 سنة ونصف، يفضلان قضاء ساعات الليل بين القبور على النوم في الشوارع أو المناطق الجبلية، في ظل غياب مأوى يؤويهما، مؤكدين أن فكرة العودة إلى المغرب ليست مطروحة بالنسبة إليهما.

 

بملابس رياضية وقبعتين تخفيان جزءا من ملامحهما، يقترب القاصران من بوابة المقبرة، قبل أن يبادر أحد حراس الأمن إلى منعهما من الدخول.

 

«لا يمكنكما البقاء هنا»، يقول الحارس، ليغادر الصديقان المكان في اتجاه مستودعات طاراخال، بعدما أصبح الدخول إلى المقبرة خلال الليل وسيلة يلجآن إليها بحثا عن الأمان.

 

وبحسب معطيات أمنية نقلتها صحيفة «إل بويبلو دي سبتة»، لا يزال آلاف المهاجرين، من بينهم قاصرون، يعيشون في العراء ويعتمدون على المساعدات للحصول على الطعام. وتقدر المصادر الأمنية عددهم بنحو 10 آلاف شخص، بينما تضع السلطات الإسبانية العدد في حدود 2500 شخص.

 

«العودة ستكون أسوأ»

 

بالنسبة إلى محمد وفؤاد، لا تبدو صعوبة الحياة في شوارع سبتة كافية لدفعهما إلى التفكير في العودة.

 

ويقول فؤاد، رداً على سؤال حول احتمال إعادته إلى المغرب: «سيكون الأمر أسوأ».

 

أما محمد، فيؤكد بدوره: «نعرف أننا سنمر بفترة صعبة، لكننا نفضل هذا على العودة إلى هناك».

 

وصل القاصران إلى سبتة يوم الخميس 30 يوليوز، في خضم موجة عبور جماعي شهدت وصول أعداد كبيرة من الأشخاص إلى المدينة. ويقولان إن عائلتيهما كانتا على علم بالمغامرة التي أقدما عليها وبالمخاطر المرتبطة بها.

 

وقبل مغادرتهما، تلقى الاثنان من أسرتهما نصيحة واضحة: «حظا سعيدا في هذا التحدي الجديد، ولا تدخلا في المشاكل أو المخدرات».

 

سبتة ليست نهاية الرحلة

رغم الظروف القاسية التي يعيشانها، لا يعتبر محمد وفؤاد سبتة محطتهما الأخيرة.

محمد تلقى تكويناً واكتسب خبرة في مجال تنجيد السيارات، بينما تعلم فؤاد مهنة الحلاقة. ويحلم الاثنان بالوصول إلى شبه الجزيرة الإسبانية، أملاً في العثور هناك على فرصة لبناء مستقبل جديد.

وفي انتظار تحقق هذا الحلم، أصبحت حياتهما اليومية في سبتة موزعة بين ثلاثة أماكن: مقبرة سيدي امبارك للنوم، والمسجد المجاور للحصول على الطعام من منظمة «الهلال الأبيض»، والشاطئ للاستحمام في المرافق العمومية.

أما بقية الوقت، فيقضيانه في التجول بحذر داخل المدينة، مع الحرص على الابتعاد عن عناصر الأمن والجيش وحراس المقبرة، خصوصا عندما يحاولان العودة إليها خلال الليل.

مئات الأشخاص لجؤوا إلى المقبرة

لم يعد محمد وفؤاد الوحيدين الذين وجدوا في مقبرة سيدي امبارك ملاذا مؤقتا. فقد تحولت المقبرة، خلال الأيام الأخيرة، إلى مكان يلجأ إليه مئات المهاجرين الذين لا يجدون مأوى للنوم.

واضطرت السلطات المحلية إلى الاستعانة بشركة أمن خاصة لتأمين المقبرة، التي تبلغ مساحتها حوالي 90 ألف متر مربع، بعدما أصبح عدد كبير من المهاجرين يتسللون إليها خلال ساعات الليل.

ويروي أحد الحراس أنه اضطر، خلال إحدى فترات عمله الصباحية، إلى إخراج حوالي 500 شخص كانوا قد دخلوا إلى المقبرة ليلا، مشيرا إلى أن عدد المتسللين بلغ في بعض الفترات نحو 800 شخص.

ويعرب الحارس عن تعاطفه مع ظروف هؤلاء الأشخاص، لكنه يؤكد في الوقت نفسه أن المقبرة ليست مكاناً مخصصاً للإقامة. كما يشير إلى أن بعض المهاجرين تركوا مخلفاتهم داخل المكان، بينما أقام آخرون ملاجئ مؤقتة بالقرب من القبور خلال الأيام الأولى.

وتشكل المياه أحد الأسباب الإضافية التي تدفع بعض المهاجرين إلى اللجوء إلى المقبرة، التي تتوفر على نقاط مياه مخصصة أساسا للعناية بالقبور.

انتظار في ظروف قاسية

يخشى حراس المقبرة من استمرار الوضع لأسابيع، في ظل استمرار وجود أعداد كبيرة من المهاجرين دون مأوى في أنحاء مختلفة من سبتة.

وفي حي الأمير ألفونسو، الذي يشهد بدوره تجمع أعداد كبيرة من الأشخاص الذين يعيشون في العراء، قدرت جمعية محلية بشكل غير رسمي عدد الموجودين بأكثر من 4800 شخص، مشيرة إلى أن معظمهم أو جميعهم من القاصرين.

وبينما تواصل السلطات وحراس الأمن محاولاتهم لمنع المهاجرين من اتخاذ المقبرة مكاناً للإقامة، يواصل محمد وفؤاد البحث عن مكان آمن لقضاء الليل.

وبين القبور، وفي انتظار فرصة جديدة، يظل حلمهما معلقاً بالوصول إلى الضفة الأخرى، دون أن يعرفا متى ستفتح أمامهما الطريق نحو شبه الجزيرة الإسبانية، أو ما إذا كانت ستفتح أصلا.