كشف تقرير نشرته صحيفة “إل باييس” الإسبانية أن الجالية المغربية المقيمة في إسبانيا أصبحت تمثل أحد أهم الروافد الاقتصادية للمغرب، ليس فقط بحكم حجمها الكبير الذي يتجاوز مليون شخص، وإنما أيضا بسبب القيمة المتزايدة للتحويلات المالية التي يرسلها أفرادها إلى ذويهم، والتي باتت تشكل موردا أساسيا للاقتصاد الوطني وتساهم بشكل مباشر في دعم الاستقرار المالي والاجتماعي داخل المملكة.
وأوضح التقرير أن التحويلات المالية القادمة من إسبانيا بلغت خلال سنة 2025 نحو 1.589 مليار يورو، وهو ما يعادل أكثر من واحد في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للمغرب، ما يجعل إسبانيا ثاني أكبر مصدر لتحويلات المغاربة في الخارج بعد فرنسا.
وتبرز هذه الأرقام حجم الترابط الاقتصادي بين الضفتين، خاصة في ظل استمرار اعتماد آلاف الأسر المغربية على الأموال التي يرسلها أقاربها العاملون بالخارج لتغطية نفقات المعيشة والتعليم والرعاية الصحية والاستثمار في السكن أو المشاريع الصغيرة.
وأشار المصدر إلى أن التحويلات القادمة من جميع أفراد الجالية المغربية المنتشرة عبر العالم تمثل حوالي 7.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للمغرب، أي ما يقارب 12 مليار يورو سنويا، وهو رقم يضع المملكة ضمن أكبر الدول الإفريقية المستفيدة من تحويلات المهاجرين، إلى جانب مصر ونيجيريا، رغم أن عدد سكان هذين البلدين يفوق عدد سكان المغرب بفارق كبير.
وبيّن التقرير أن فرنسا لا تزال تحتل المرتبة الأولى من حيث حجم التحويلات المالية نحو المغرب بما يزيد على 3.4 مليارات يورو سنويا، مستفيدة من وجود أكبر جالية مغربية في العالم على أراضيها، فيما جاءت إيطاليا في المرتبة الثالثة بحوالي 800 مليون يورو، لتظل الدول الأوروبية الثلاث المصدر الرئيسي للعملة الصعبة القادمة من المغاربة المقيمين بالخارج.
وأكد التقرير أن هذه التحويلات لا تقتصر على دعم الأسر المغربية، بل تؤدي دورا مهما في الحفاظ على توازن الاقتصاد الوطني، خاصة في ما يتعلق بتمويل الواردات وتعزيز احتياطات البلاد من العملة الصعبة.
ونقل عن خبراء في مجال الهجرة والتحويلات المالية أن المغرب يعتمد بشكل كبير على هذه الموارد، بالنظر إلى حجم وارداته من السلع والخدمات، معتبرين أن هذه الأموال تمثل دخلا مباشرا لا يتطلب استثمارات أو تكاليف إنتاج، على عكس عائدات القطاعات الاقتصادية الأخرى.
وسجلت “إل باييس” أن قيمة التحويلات المالية من إسبانيا إلى المغرب تضاعفت أكثر من ثلاث مرات خلال العقد الأخير، في تطور يعكس ارتفاع عدد المهاجرين المغاربة وتحسن مداخيلهم، إضافة إلى توسع استخدام القنوات البنكية وشركات تحويل الأموال منذ جائحة كورونا، بعدما كان عدد كبير من المهاجرين يفضلون نقل الأموال نقداً خلال زياراتهم السنوية إلى المغرب.
ويرجع التقرير أيضا هذا الارتفاع إلى الزيادات المتتالية في الحد الأدنى للأجور بإسبانيا، الذي ارتفع بأكثر من 60 في المائة منذ سنة 2018، وهو ما انعكس بشكل مباشر على مداخيل العمال المغاربة، خاصة وأن نسبة كبيرة منهم تشتغل في قطاعات الزراعة والبناء والخدمات ذات الأجور المحدودة.
وأشار إلى أن محدودية إتقان اللغة الإسبانية ما تزال تشكل عائقا أمام ولوج العديد من المهاجرين المغاربة إلى وظائف أفضل في قطاع الخدمات، ما يدفع أعدادا كبيرة منهم إلى الاستقرار في قطاعات الزراعة والبناء، التي تشهد طلبا مرتفعا على اليد العاملة الأجنبية.
ورغم ذلك، فإن الأجور التي يحصل عليها هؤلاء في إسبانيا تبقى أعلى بكثير من نظيرتها في المغرب، وهو ما يفسر استمرار الهجرة باعتبارها وسيلة لتحسين المستوى المعيشي للأسر المغربية.
وخلصت صحيفة “إل باييس” إلى أن التحويلات المالية للجالية المغربية لا تمثل مجرد دعم اجتماعي للعائلات، بل أصبحت أحد الأعمدة الأساسية التي يستند إليها الاقتصاد المغربي، بالنظر إلى دورها في تنشيط الاستهلاك الداخلي، وتمويل الاستثمارات الأسرية، وتعزيز احتياطات البلاد من العملات الأجنبية، وهو ما يجعل مساهمة المغاربة المقيمين بالخارج تتجاوز بعدها الاجتماعي لتصبح عنصرا استراتيجيا في التنمية الاقتصادية للمملكة.
