مع حلول فصل الصيف، تتكرر معاناة العديد من الأسر المغربية المقيمة بالخارج مع الارتفاع الملحوظ في أسعار تذاكر الطيران والنقل البحري، ما يجعل رحلة العودة إلى أرض الوطن لقضاء العطلة عبئا إضافيا على ميزانياتها ويثقل كاهلها بتكاليف متزايدة.
مع بدء عملية “مرحبا 2026” في 10 يونيو الماضي، تتزايد أعداد الأسر المغربية المقيمة بالخارج المتدفقة نحو البلاد، غير أن قضاء عطلة الصيف في الوطن الأم باتت تكلفته تتزايد عاما بعد عام. وعادت هذه القضية لتثير نقاشات واسعة في مجلس المستشارين خلال الأسبوع الماضي.
سالم فكير، الرئيس المؤسس لجمعية “كاب سود لمغاربة العالم”، يقضي بدوره فصل الصيف في المغرب. وأكد لـ”يابلادي” أن “الرحلات المتاحة والمواعيد التي تقترحها شركة مثل الخطوط الملكية المغربية هي الأنسب للمغاربة المقيمين بالخارج”، غير أن “الأسعار تبقى مرتفعة بالنسبة للكثير من الأسر”. وأضاف “للمجيء إلى المغرب خلال الصيف، يجب احتساب ما لا يقل عن 1500 إلى 2000 يورو ذهابا وإيابا، أي حوالي 600 يورو للفرد، وهو مبلغ أصبح يصعب تحمله على العديد من الأسر”.
وبالرغم من أن الحجز المسبق يمكن أن يجنب الأسر مفاجآت الفواتير السنوية، فإن هذا الخيار ليس متاحا للجميع. وأوضح فكير أن “التخطيط للعطلة في وقت مبكر يمنح فرصة لتقليل النفقات بشكل واضح، لكن الظروف الاقتصادية الحالية تحول دون ذلك”. وعبر عن أسفه قائلا “ليس متاحا دائما حجز التذاكر مبكرا بالنسبة للأسرة التي عادت لتوها من العطلة، وبخاصة في فترات يجب فيها تسديد الضرائب المحلية والعقارية وغيرها في بلدان الإقامة. بعض الأسر تجد نفسها مضطرة للاستدانة للتمكن من قضاء العطلة».
أسر تتخلى عن فكرة السفر
على خلاف سالم فكير، لا تعتزم هدى الحقاك العودة إلى المغرب هذا الصيف. الرئيسة السابقة لجمعية الصداقة الفرنسية المغربية أعربت عن أسفها لاتخاذ هذا القرار، كما حدث في سنوات سابقة. وهي أم لثلاثة أطفال، وقالت “بالنسبة لنا كأسرة مكونة من خمسة أفراد، حيث يعمل الزوجان كمدرسين، والأبناء تتراوح أعمارهم بين 14 و20 سنة، لا يمكننا تحمل تكلفة سفر من هذا النوع”.
بسبب مهنتهما، لا تستطيع هدى وزوجها تغيير موعد عطلتهما السنوية لتجنب موسم الذروة. وأوضحت “حتى عندما نحاول التخطيط مسبقا، فإننا نلتزم بفترة الصيف حيث تكون الأسعار مرتفعة بالضرورة. ومع الزيادات العامة، أصبحنا نبحث عن العروض الأقل تكلفة بدلا من الارتباط بوجهة بعينها”.
وأضفت “سأتوجه أنا وزوجي إلى المغرب في أكتوبر لحضور زفاف قريبة. لكن حتى في هذه الحالة، وبسبب تزامنها مع عطلة مدرسية، تضاعفت الأسعار بالفعل”. وبتخطيطها لقضاء الصيف في وجهة أخرى، تفكر هدى في الإقامة لدى والدها، مما سيقلل من ميزانية الصيف بنحو الثلثين.
وتشير الفاعلة الجمعوية “هذه أحد الأسباب التي تدفعني لإعادة إحياء الجمعية التي ترأستها. الفكرة هي المساهمة في تنظيم عطلات بالمغرب للأسر ذات الدخل المحدود، حتى لا تمنعهم الإكراهات الاقتصادية من الحفاظ على صلتهم بالبلد وثقافته”.
بالنسبة لسالم فكير، النقطة الأساسية تكمن في تقديم شركات النقل الوطنية، وخاصة الجوية، عروضا ملائمة لهذه الأسر. وقال “المغرب بلد يتمتع بتوجه سياحي، والسياحة تعتبر من المصادر الرئيسية للعملة الصعبة، لذا كان من المفترض أن تعكس الأسعار ذلك بانخفاضها. بهذا الشكل، يمكن للمغاربة المقيمين بالخارج زيارة الوطن أكثر من مرة أو مرتين في السنة، وقد يصل العدد إلى خمس رحلات ذهابا وإيابا، إذا كانت التذاكر متاحة بأسعار معقولة”.
“إن الخسارة المحتملة التي قد تتكبدها شركات النقل الوطنية ستتوازن مع مداخيل العملة الصعبة والإنفاق الداخلي والاستهلاك المحلي، بدلا من أن تضطر الأسر للتخلي عن العطلة أو اختيار وجهات أخرى أقل تكلفة. هذا النهج يعزز من ارتباط الأجيال الثانية والثالثة والرابعة بوطنهم”.
الموازنة بين عروض السفر وقدرات الأسر
يرى فكير أن هذه الموازنة “ستحل العديد من المشكلات التي نلاحظها غالبا خلال الصيف، ولا سيما التجاوزات المرتبطة بعلاقة الجودة بالسعر. كما ستتغير الذهنية، بحيث لن يكون المغترب الذي يزور البلاد عدة مرات في السنة كمن يأتي مرة واحدة، بل سيمتلك عادات أعمق وارتباط أكبر بالبلد”.
وأكد فكير أن دور النقل في تسهيل عودة المغاربة المقيمين بالخارج إلى بلدهم يتجاوز البعد التجاري ليشمل جانبا اجتماعيا أيضا، مشيرا إلى أن ارتفاع أسعار تذاكر الطيران، خاصة بالنسبة للمقيمين في مناطق بعيدة كأمريكا الشمالية، يدفع العديد منهم إلى زيارة المغرب مرة كل سنتين أو ثلاث سنوات فقط، ما يضعف ارتباطهم بالوطن لأسباب اقتصادية.
وأضاف أن شركات النقل الوطنية مطالبة بمراعاة خصوصيات الجالية المغربية، مبرزا أن نحو 6 ملايين مغربي مقيم بالخارج يساهمون بما يعادل 9 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي، وهو ما يستدعي اعتماد مقاربة تتجاوز الحسابات الاقتصادية البحتة.
