تتجه إسبانيا نحو مرحلة جديدة في قطاع الطاقة، عبر تسريع خطواتها لتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري، في إطار استجابة استراتيجية للتحولات الجيوسياسية التي أثرت على سلاسل الإمداد العالمية وأسهمت في ارتفاع تكاليف الطاقة، خاصة في ظل التوترات الأخيرة في الشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، كثفت شركة “ريبسول” جهودها لتسويق الوقود المتجدد الذي شرعت في تطويره منذ نحو عامين، معتمدة على تكنولوجيا الوقود الحيوي المستخلص من مصادر مستدامة، من بينها الزيوت المستعملة والمخلفات الزراعية. ويُعد هذا التوجه تحولاً نوعياً، إذ يتيح استخدام هذا الوقود في مختلف أنواع السيارات الحالية دون الحاجة إلى أي تعديلات ميكانيكية.
وبحسب ما أوردته وسائل إعلام إسبانية، تقوم هذه التكنولوجيا، المعروفة باسم “HVO”، على عمليات تكرير متقدمة، وقد أظهرت قدرتها على خفض الانبعاثات الكربونية إلى نحو 10% فقط من مستوياتها التقليدية، مع توقعات بمزيد من التحسن في المستقبل.
ولا يقتصر هذا التوجه على الجانب التقني، بل تُرجم إلى مشاريع صناعية ملموسة، حيث عملت الشركة على توسيع قدراتها الإنتاجية. فبعد تشغيل منشأتها في قرطاجنة، أعلنت عن إطلاق مصنع ثانٍ في بويرتويانو تحت اسم “نيكسا”، مخصص لإنتاج الديزل المتجدد. ومن المرتقب أن تبلغ الطاقة الإنتاجية لمنشأة قرطاجنة نحو 255 ألف طن سنوياً، مقابل حوالي 201 ألف طن للمصنع الجديد، ما يعزز قدرة البلاد على تأمين احتياجاتها من الوقود والكيروسين بشكل أكثر استقلالية.
ورغم الأبعاد البيئية والتقنية المتقدمة لهذا الوقود، يظل عامل السعر من أبرز التحديات المطروحة أمام المستهلكين. فبالرغم من اعتماد الإنتاج على مواد أولية بديلة عن النفط الخام، لم ينعكس ذلك بشكل واضح على الأسعار.
وتُعزى هذه الوضعية إلى عاملين رئيسيين: أولهما العبء الضريبي المرتفع الذي يمثل نحو نصف تكلفة الوقود، وثانيهما ارتفاع تكاليف إنتاج الوقود المتجدد على المستوى الدولي، في ظل استمرار الاضطرابات في أسواق الطاقة، وهو ما يحد من إمكانية خفض الأسعار على المدى القصير.
حالياً، يتراوح سعر لتر الوقود الحيوي في السوق الإسبانية بين 1.52 و1.99 يورو، مع اختلافات حسب النوع والموقع الجغرافي. ويُسجل الديزل الحيوي (B100) أسعاراً تتراوح بين 1.53 و1.64 يورو، في حين قد يتجاوز سعر الديزل المتجدد (HVO) حاجز 2 يورو للتر في بعض المحطات.
ورغم هذه التحديات، تمثل هذه الخطوة مؤشراً بارزاً على تحول هيكلي في قطاع الطاقة الإسباني، يعزز موقع البلاد ضمن الدول الرائدة في تطوير وتكرير الوقود البديل. وفي هذا الإطار، تراهن الحكومة على توسيع استخدام هذه التقنيات، بما يسهم في تعزيز السيادة الطاقية وتقليص التبعية للأسواق الخارجية على المدى البعيد.
