خولة اجعيفري
لم يختر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، اسما عاديا لقيادة سفارة موسكو في الرباط، إذ إن تعيين إيغور بلياليف أليكسييفيتش، الدبلوماسي الذي ارتبط اسمه لسنوات بالجزائر وملفات الساحل والصحراء، بدا أقرب إلى رسالة جيوسياسية مشفرة تعكس كيف تنظر موسكو اليوم إلى المنطقة المغاربية وإفريقيا، في لحظة إعادة تشكل موازين النفوذ الدولي.
فالرجل الذي وقّع بوتين مرسوما رئاسيا بتعيينه، يوم 19 ماي 2026، سفيرا فوق العادة ومفوضا لروسيا لدى المملكة المغربية، ليس فقط واحدا من أكثر الدبلوماسيين الروس خبرة في العالم العربي، بل أيضا من أكثرهم التصاقا بالملفات الحساسة المرتبطة بالجزائر والساحل والشرق الأوسط، وهي ملفات أصبحت في قلب الصراع الدولي بين القوى الكبرى، من باريس وواشنطن إلى موسكو وبكين وأنقرة.
غير أن ما يمنح هذا التعيين حساسيته الاستثنائية داخل الرباط تحديدا، يتجاوز ثقل الرجل داخل المؤسسة الدبلوماسية الروسية إلى ماضيه السياسي والدبلوماسي المرتبط مباشرة بملف الصحراء المغربية، حين تحوّل، خلال سنوات عمله سفيرا لروسيا في الجزائر، إلى أحد أكثر الأصوات الروسية قربا من الرواية الجزائرية والانفصالية داخل المنطقة المغاربية.
ففي ماي 2022، وفي خضم توتر إقليمي ودولي شديد الحساسية، خرج بليايف بتصريحات من الجزائر أثارت، آنذاك، انتباها واسعا داخل الأوساط الدبلوماسية المغربية، عندما قال إن “الشعبين الصحراوي والفلسطيني من حقهما تقرير مصيرهما”، مؤكدا أن موسكو والجزائر “في تشاور مستمر” بشأن القضيتين، وأن روسيا تدعو إلى “تطبيق القرارات الأممية ذات الصلة”.
ولم تكن تلك التصريحات معزولة عن السياق الذي صدرت فيه، ففي ذلك الوقت، كانت المنطقة المغاربية تعيش واحدة من أكثر مراحلها توترا منذ سنوات، بعد الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء أواخر 2020، وتدهور العلاقات المغربية الجزائرية، وصولا إلى قطعها رسميا بصفة أحادية من النظام الجزائري، بالتوازي مع تصاعد النفوذ الروسي في الساحل، واشتداد الحرب الروسية الأوكرانية، وما رافقها من إعادة تشكيل التحالفات الدولية وأسواق الطاقة والغذاء.
الأخطر في تصريحات بليايف، حينها، لم يكن فقط حديثه عن “حق تقرير المصير”، في وقت اتخذ المغرب موقف الحياد من الأزمة الروسية الأوكرانية وعبر عنه دبلوماسيا، بل أيضا صدورها من الجزائر تحديدا، وفي سياق كان الكرملين يسعى فيه إلى تعميق شراكته الاستراتيجية مع النظام الجزائري، سواء على مستوى التسليح أو الطاقة أو التنسيق السياسي داخل إفريقيا والساحل، كما أن السفير الروسي لم يخف، خلال اللقاء ذاته، انحيازه الواضح للطرح الروسي في الساحل، عندما هاجم فرنسا بشكل مباشر، قائلا إن “التواجد الفرنسي في مالي لم يحقق الأمن والاستقرار، فيما أتى التواجد الروسي بثمار ملموسة”.
وفي خلفية تلك التصريحات، كانت موسكو تتحرك بقوة لإعادة رسم نفوذها داخل القارة الإفريقية، خصوصا عبر بوابة الساحل، مستفيدة من الانقلابات العسكرية المتتالية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وتراجع النفوذ الفرنسي التقليدي، وهنا بالضبط، كان بليايف أحد الوجوه الدبلوماسية التي تدير هذا التحول الروسي في المنطقة، بحكم خبرته الطويلة في الجزائر والعالم العربي.
لكن ما حدث بعد ذلك بأسابيع قليلة فتح الباب أمام تأويلات واسعة داخل الأوساط الدبلوماسية، ففي 27 ماي 2022، أصدر بوتين مرسوما رئاسيا أنهى بموجبه مهام بليايف سفيرا لروسيا لدى الجزائر، في خطوة جاءت بسرعة لافتة مقارنة بالأعراف الدبلوماسية الروسية، خصوصا أن الرجل كان لا يزال في قلب ملفات استراتيجية مرتبطة بالشراكة الروسية الجزائرية.
ورغم أن موسكو لم تصدر، حينها، أي تفسير رسمي يربط الإعفاء بتصريحاته حول الصحراء، إلا أن تزامن القرار مع موجة الاستياء التي خلفتها مواقفه داخل المغرب دفع عددا من المراقبين إلى اعتبار الخطوة محاولة روسية لاحتواء أي توتر محتمل مع الرباط، خصوصا أن المغرب كان قد دخل، منذ اعتراف واشنطن بمغربية الصحراء، مرحلة دبلوماسية جديدة قائمة على تشدد واضح تجاه أي مواقف رمادية أو ملتبسة في هذا الملف.
فالمغرب، الذي كان يعيد وقتها رسم تحالفاته الدولية على قاعدة “وضوح المواقف من الصحراء”، صار يتعامل مع الملف باعتباره محددا مركزيا لطبيعة العلاقات مع القوى الكبرى، والنظارة التي يرى بها العالم، ولذلك فإن تصريحات بليايف في الجزائر بدت، بالنسبة إلى كثيرين، تجاوزا لخط أحمر سيادي في لحظة إقليمية بالغة التعقيد.
اليوم، وبعد أربع سنوات تقريبا، تعود موسكو لتعيد الرجل نفسه، ولكن هذه المرة إلى الرباط ذاتها، في خطوة تبدو، للوهلة الأولى، مفارِقة، لكنها تكشف، في العمق، تحولا أعمق في طريقة اشتغال الدبلوماسية الروسية داخل المنطقة المغاربية.
فإيغور بليايف ليس مجرد سفير عادي داخل الخارجية الروسية، فالرجل ينتمي إلى ما يوصف داخل موسكو بـ”مدرسة الدبلوماسية العربية”، وهي النخبة التي تشكلت منذ الحقبة السوفيتية لإدارة ملفات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وتضم دبلوماسيين يجمعون بين التكوين الأكاديمي العميق والخبرة الميدانية الطويلة داخل العواصم العربية.
ولد بليايف سنة 1967، وتخرج سنة 1989 من معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية “MGIMO”، الذي يعد المصنع الأهم للنخب الدبلوماسية الروسية والسوفيتية سابقا، قبل أن يعود سنة 2002 إلى أكاديمية وزارة الخارجية الروسية، في مسار تكويني خاص بالنخب المرشحة للملفات الكبرى، كما يتقن العربية والإنجليزية، وهي معطيات جعلته يرتبط، منذ بداياته المهنية، بالعالم العربي بشكل شبه كامل.
وبين 2003 و2008، شغل منصب مستشار ثم مستشار أول بالسفارة الروسية في سوريا، خلال مرحلة كانت موسكو تعيد فيها بناء نفوذها داخل الشرق الأوسط بعد سنوات من التراجع التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي، وكانت دمشق، آنذاك، إحدى أهم منصات النفوذ الروسي في المنطقة، ما جعل تلك المرحلة مفصلية في تكوينه السياسي والدبلوماسي.
لاحقا، انتقل إلى الإدارة المركزية لوزارة الخارجية الروسية، حيث تدرج داخل إدارة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وصولا إلى منصب نائب مدير الإدارة، وهي الهيئة التي تدير ملفات العالم العربي والمغرب العربي والعلاقات الروسية مع دول المنطقة.
غير أن المحطة الأكثر حساسية في مساره تبقى سنواته الخمس في الجزائر بين 2017 و2022، وهي الفترة التي شهدت تعميقا غير مسبوق للعلاقات الروسية الجزائرية، خاصة في مجالات التسليح والطاقة والتنسيق السياسي والأمني، بالتوازي مع صعود النفوذ الروسي داخل الساحل وليبيا وإفريقيا جنوب الصحراء.
تلك الفترة تزامنت أيضا مع نهاية عهد الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة، إثر حراك سنة 2019، الذي وصل على إثره عبد المجيد تبون إلى الرئاسة ومعه السعيد شنقريحة إلى قيادة الجيش، ثم مع إعلان الولايات المتحدة الأمريكية اعترافها بالسيادة المغربية على الصحراء أواخر 2020.
ومن هنا تحديدا، يبدو أن موسكو ترسل إلى الرباط رجلا يعرف الجزائر من الداخل، ويدرك بدقة طبيعة التوازنات المغربية الجزائرية وتشابكات ملف الصحراء والساحل والطاقة والممرات التجارية الإفريقية.
فروسيا تدرك اليوم أن المغرب لم يعد مجرد شريك اقتصادي تقليدي في شمال إفريقيا، بل تحول، خلال السنوات الأخيرة، إلى قوة إقليمية صاعدة داخل غرب المتوسط وإفريقيا، بفضل موقعه الجغرافي وشبكة علاقاته مع أوروبا والولايات المتحدة والعالم العربي وإفريقيا.
كما أن الرباط أصبحت لاعبا مركزيا في ملفات الساحل والهجرة والأمن والطاقة والربط اللوجستي الإفريقي الأطلسي، وهي كلها ملفات تتقاطع بشكل مباشر مع الاستراتيجية الروسية الجديدة داخل القارة الإفريقية، خصوصا بعد تراجع النفوذ الفرنسي وتزايد الحضور العسكري والاقتصادي الروسي.
وفي المقابل، يبدو أن موسكو تسعى أيضا إلى تدبير توازن معقد داخل المنطقة المغاربية، فهي لا تريد خسارة الجزائر، حليفها العسكري والاستراتيجي التقليدي، لكنها، في الوقت نفسه، تدرك أن المغرب أصبح رقما صعبا داخل المعادلات الإفريقية والمتوسطية والدولية، وأن أي تموضع روسي مستقبلي في المنطقة لا يمكن أن يتم دون علاقة مستقرة مع الرباط.
لذلك، فإن اختيار بليايف تحديدا قد يحمل بعدا مزدوجا، فمن جهة هو دبلوماسي يعرف جيدا عقل النظام الجزائري وامتداداته داخل الساحل، ومن جهة ثانية قد يكون، بالنسبة إلى موسكو، محاولة لإعادة ضبط العلاقة مع المغرب عبر رجل يدرك حساسية الملفات الخلافية وحدودها.
ومن جهة أخرى، فرغم الجدل الذي طبع مساره، إلا أن بليايف يحظى بثقة كبيرة داخل مؤسسات الدولة الروسية، وهو ما تؤكده ترقيته سنة 2019 إلى رتبة “مبعوث فوق العادة ومفوض من الدرجة الأولى”، وهي من أعلى الرتب داخل السلك الدبلوماسي الروسي، ثم حصوله سنة 2022 على وسام “الاستحقاق للوطن”، أحد الأوسمة السيادية المهمة في روسيا.
