العنب المغربي يشق طريقه إلى الأسواق الأوروبية في موسم تصدير جديد

في مشهد يعكس تحولات متسارعة داخل القطاع الفلاحي المغربي، بدأت منطقة دكالة تأخذ موقعا متقدما على خريطة تصدير الفواكه الطرية، بعد أن شرعت في تهيئة موسم جديد من تصدير عنب المائدة نحو الأسواق الأوروبية، في خطوة تؤشر على انتقال هذا المنتوج من دائرة الإنتاج المحلي المحدود إلى فضاء تنافسي دولي أكثر اتساعا.

ومنذ الأسابيع الأولى لبداية الموسم الفلاحي الحالي، تبدو حقول العنب في دكالة وكأنها تعيش حالة استنفار هادئ، حيث تتقاطع جهود المزارعين مع مسارات تقنية دقيقة تهم الصحة النباتية، ومراقبة جودة المحصول، وتحضير سلاسل التوضيب والتعبئة، استعدادا لمرحلة التصدير التي لم تعد مجرد احتمال، بل أصبحت واقعا يفرض نفسه على عدد من الضيعات الفلاحية بالمنطقة.

 

ووفق منصة “فريش بلازا” المتخصصة في البيانات الفلاحية، يحمل الموسم الحالي، إشارات مختلفة عن السنوات الماضية، مشيرة إلى أنه بعد سنوات من الجفاف الذي أثر بشكل مباشر على مختلف الزراعات في المغرب، بدأت منطقة دكالة تستعيد تدريجيا جزءا من توازنها المائي بفضل التساقطات المطرية الأخيرة، وهو ما انعكس بشكل واضح على نمو الأشجار وجودة الثمار.

 

هذا التحسن، تضيف المنصة، لم يكن مجرد ملاحظة عابرة بالنسبة للفلاحين، بل تحول إلى معطى ملموس داخل الحقول، حيث يظهر حجم العناقيد وكثافة الحبات بشكل أوضح مقارنة بالمواسم السابقة.

 

في هذا السياق، وصفت “فريش بلازا” هذا التحول باعتباره نقطة مفصلية في مسار الموسم الفلاحي، مؤكدة أن الأمطار الأخيرة أعادت الحياة إلى التربة، وسمحت بمرور مرحلة عقد الثمار في ظروف أفضل، قبل الدخول في مرحلة النمو.

 

وأشار المصدر ذاته، إلى أن الإنتاج هذه السنة قد يعرف ارتفاعا يقارب 30 في المائة، إضافة إلى تحسن ملحوظ في حجم الحبات وجودة الطعم، وهو ما يمنح دفعة قوية لآمال التصدير نحو الأسواق الخارجية.

 

لكن هذا التحسن المناخي لم يمر دون تحديات موازية، إذ ساهمت فترات التساقطات المتقطعة في ظهور بعض الأمراض الفطرية، من بينها البياض الزغبي، وهو ما فرض على الفلاحين اعتماد بروتوكولات دقيقة في المعالجة والمراقبة.

 

داخل الضيعات، تم اللجوء إلى منتجات وقاية نباتية معتمدة وفق المعايير الدولية، مع تكثيف عمليات المتابعة اليومية للمزروعات، في محاولة للحد من أي تأثير محتمل على جودة المنتوج النهائي.

 

ورغم ارتفاع كلفة المدخلات الفلاحية، خاصة في ظل التقلبات الدولية لأسعار المواد الزراعية، إلا أن الفلاحين يعتبرون أن الحفاظ على جودة المنتوج يبقى أولوية لا يمكن التنازل عنها.

 

إن يميز العنب الدكالي، الذي يشكل أحد أبرز أصناف العنب في المغرب، هو كونه الصنف الوحيد الحاصل على مؤشر جغرافي محمي، وهو تصنيف يمنحه قيمة إضافية في الأسواق الدولية.

 

هذا الاعتراف لم يأت من فراغ، بل يرتبط بتاريخ طويل من الزراعة التقليدية في المنطقة، حيث تتوارث بعض الكروم منذ أكثر من قرنين، وفق ما يؤكده الفلاحون المحليون، ما يجعل هذا المنتوج يحمل بعدا تاريخيا وثقافيا إلى جانب قيمته الفلاحية.

 

على مستوى الخصائص، يتميز العنب الدكالي بلونه الداكن، وشكله البيضاوي، ونكهته القوية، إضافة إلى نسبة عالية من السكر وقوام مقرمش يمنحه ميزة تنافسية مقارنة بأصناف أخرى في الأسواق العالمية، كما أنه معروف بقدرته على الحفاظ على نضارته لفترة طويلة بعد الجني، قد تصل إلى حوالي 15 يوما، وهو عامل أساسي في عمليات التصدير التي تعتمد على مسافات نقل طويلة وسلاسل لوجستية دقيقة.

ورغم هذه المؤهلات، لا يزال هذا الصنف غير معروف بالشكل الكافي على المستوى الدولي، وهو ما يشكل في الوقت نفسه تحديا وفرصة، حيث أنه وخلال مشاركات مهنية في معارض فلاحية دولية، تم تسجيل اهتمام متزايد من طرف مستوردين أوروبيين، خاصة من فرنسا وهولندا، الذين أبدوا رغبتهم في استكشاف هذا المنتوج المغربي الذي يجمع بين الجودة والخصوصية الجغرافية.

هذا الاهتمام الأولي تُرجم إلى اتصالات مهنية واتفاقات مبدئية، مهدت الطريق لبدء أولى عمليات التصدير نحو السوق الأوروبية خلال هذا الموسم، حيث من المرتقب أن تنطلق شحنات أولى نحو وجهات متعددة داخل أوروبا، في إطار تجربة تعتبر اختبارا حقيقيا لقدرة العنب الدكالي على تثبيت حضوره خارج الحدود.

في المقابل، يخضع المنتوج المغربي لمعايير صارمة قبل التصدير، من بينها شهادات الجودة الدولية مثل “GlobalGAP”، إلى جانب الالتزام باستخدام مواد وقاية نباتية مطابقة لمتطلبات الاتحاد الأوروبي.

ويعكس دخول العنب الدكالي إلى السوق الأوروبية، تحولا أعمق في استراتيجية تثمين المنتوجات الفلاحية المغربية، من خلال الانتقال من منطق الإنتاج التقليدي إلى منطق التصدير المبني على الجودة والهوية الجغرافية والتتبع.

بالإضافة إلى هذا، فإن هذا التوجه ينسجم مع الدينامية العامة التي يشهدها القطاع الفلاحي في المغرب خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبح التركيز متزايدا على المنتوجات ذات القيمة المضافة العالية، القادرة على المنافسة في الأسواق الدولية، وعلى الاندماج في سلاسل التوزيع العالمية.