حاكم مليلية يهاجم السياسة الخارجية لحكومة سانشيز

إسماعيل بويعقوبي

هاجم رئيس حكومة مدينة مليلية، خوان خوسي إمبرودا، المنتمي إلى الحزب الشعبي الإسباني، حكومة بيدرو سانشيز بسبب طريقة إدارتها للعلاقات الخارجية، معتبرا أن مدريد تدفع نفسها نحو توترات غير محسوبة مع حلفائها التقليديين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي، في لحظة دولية وصفها بالحساسة، قال إن إسبانيا قد تكون فيها بحاجة إلى دعم هؤلاء الشركاء في مواجهة ما اعتبره “الطموحات التوسعية” للمغرب.

 

وتكشف تصريحات المسؤول الإسباني، التي جاءت في سياق إقليمي ودولي متوتر، حجم القلق المتزايد داخل الأوساط السياسية الإسبانية بشأن مستقبل سبتة ومليلية، خاصة بعد صدور مواقف وتصريحات أمريكية خلال الأسابيع الأخيرة تناولت الوضع القانوني والسيادي للمدينتين بطريقة غير مسبوقة، وأعادت فتح نقاش ظل لعقود محاطا بحذر سياسي ودبلوماسي داخل الغرب.

 

ولم يخف إمبرودا تخوفه مما اعتبره “دخول حكومة سانشيز في صراعات مع الجميع”، قائلا إن إسبانيا “تتصادم مع أصدقائها وحلفائها” دون وضوح في الأفق السياسي الذي يمكن أن تقود إليه هذه الخيارات، في إشارة مباشرة إلى التوتر الذي طبع العلاقات الإسبانية الأمريكية مؤخرا على خلفية موقف مدريد من الضربات الأمريكية ضد إيران ورفضها تسخير قواعدها العسكرية لفائدة القوات الأمريكية.

 

وفي أكثر تصريحاته إثارة للانتباه، قال رئيس مليلية إن إسبانيا تعيش تحت “سيف ديموقليس” المرتبط بالمغرب، في استحضار واضح للهواجس الإسبانية التقليدية المرتبطة بسبتة ومليلية، رغم محاولته في الوقت ذاته التأكيد على رغبته في الحفاظ على علاقات “جيدة” مع الرباط.

 

ويأتي هذا القلق الإسباني في وقت أعادت فيه شخصيات أمريكية نافذة طرح الملف بشكل علني، فقد أثار المستشار السابق بوزارة الدفاع الأمريكية، مايكل روبين، جدلا واسعا بعدما دعا المغرب إلى تنظيم “مسيرة خضراء جديدة” نحو سبتة ومليلية، معتبرا أن المدينتين ينبغي أن تكونا تحت السيادة المغربية، وهي التصريحات التي تعاملت معها وسائل الإعلام الإسبانية بكثير من التحفظ والقلق، بالنظر إلى رمزية صاحبها وصلاته بدوائر القرار والتفكير الاستراتيجي في واشنطن.

 

كما زاد من حدة هذا الانشغال صدور تصريحات أخرى عن السياسي الأمريكي ماريو دياز بالارت، الذي اعتبر بدوره أن سبتة ومليلية جزء من التراب المغربي، في موقف مثّل تطورا لافتا داخل النقاش الأمريكي المرتبط بالثغرين المحتلين، خاصة أنه تزامن مع برود غير مسبوق في العلاقات بين مدريد وواشنطن.

 

ويزداد هذا النقاش تعقيدا بالنظر إلى الغموض الذي يحيط بموقف حلف شمال الأطلسي “الناتو” من المدينتين المحتلتين، إذ إن المادة الخامسة المتعلقة بالدفاع المشترك ترتبط جغرافيا بأوروبا وأمريكا الشمالية، بينما تقع سبتة ومليلية داخل القارة الإفريقية، ما يفتح باب التأويل بشأن حدود الالتزام الأطلسي في حال وقوع أي تطور أمني مستقبلي.

 

كما أن المادة 42.7 من اتفاقية الاتحاد الأوروبي، والتي تتعلق بالتضامن الدفاعي بين الدول الأعضاء، تبقى بدورها مرتبطة بحسابات سياسية وسيادية معقدة، ولا تقدم ضمانات أوتوماتيكية مطلقة كما تحاول بعض الخطابات السياسية الإسبانية الإيحاء بذلك.

 

وفي موازاة هذا الجدل السياسي والدبلوماسي، كثف الجيش الإسباني خلال الأسابيع الأخيرة من أنشطته وتحركاته العسكرية في سبتة ومليلية وصخور الحسيمة، في خطوة تعكس حجم القلق المتنامي داخل المؤسسة العسكرية الإسبانية من التحولات الإقليمية والدولية الجارية.

 

وشملت هذه التحركات عمليات استطلاع بري، وتعزيزات بالمناطق الحدودية، إلى جانب مناورات واختبارات للجاهزية العملياتية، فضلا عن الزيارة التفقدية التي قام بها الجنرال خوليو سالوم هيريرا، رئيس قيادة جزر الكناري وقائد العمليات البرية المشتركة في الجيش الإسباني، إلى صخور الحسيمة، وهي زيارة اعتبرتها وسائل إعلام إسبانية ذات دلالات تتجاوز مجرد تفقد روتيني للوحدات العسكرية المنتشرة هناك.

 

وتحاول مدريد، من خلال هذا الحضور العسكري المكثف، توجيه رسائل متعددة الاتجاهات، فمن جهة تسعى إلى طمأنة الداخل الإسباني وإظهار قدرتها على التحكم في المجال الحدودي، ومن جهة أخرى تحاول إبراز جاهزيتها العسكرية في ظل تنامي النقاشات الدولية المرتبطة بمستقبل الثغرين المحتلين.

لكن اللافت أن هذا التصعيد العسكري والإعلامي الإسباني يتزامن مع حالة من الحذر الرسمي المغربي، إذ لم يصدر عن الرباط أي خطاب تصعيدي بشأن سبتة ومليلية، في مقابل استمرار بعض الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية في استحضار “الخطر المغربي” كلما تصاعدت الضغوط الداخلية أو ظهرت مؤشرات على ارتباك في علاقات مدريد الخارجية.

ويبدو أن تصريحات إمبرودا تندرج ضمن هذا السياق، حيث يجري توظيف الملف المغربي كأداة لإعادة تعبئة الخطاب السيادي داخل إسبانيا، وربط مستقبل مليلية وسبتة بضرورة الاحتماء بالمظلة الأوروبية والأطلسية، في وقت بدأت فيه بعض الأصوات الغربية تطرح أسئلة محرجة حول الإرث الاستعماري الأوروبي في شمال إفريقيا.