عاد الحديث بقوة خلال الأيام الأخيرة عن واحد من أضخم المشاريع الاستراتيجية والهندسية في العالم، والمتعلق بإقامة ربط مباشر بين المغرب وشبه الجزيرة الإيبيرية عبر نفق بحري ضخم، في خطوة قد تحول مضيق جبل طارق من حدود طبيعية فاصلة بين القارتين إلى معبر اقتصادي ولوجستي عالمي يربط إفريقيا بأوروبا.
ووفق ما أوردته تقارير إعلامية إسبانية، فإن النقاشات المرتبطة بهذا المشروع عرفت خلال الفترة الأخيرة زخما جديدا، وسط اهتمام متزايد من المغرب وإسبانيا والبرتغال بإطلاق بنية تحتية كبرى من شأنها إحداث تحول جذري في حركة النقل والتبادل التجاري بالمنطقة.
ولم يعد المشروع مقتصرا على فكرة النفق الرابط بين المغرب وإسبانيا فقط، بل امتد الحديث أيضا إلى تصور جديد يربط المملكة بالبرتغال عبر ممر بحري تحت المحيط الأطلسي، وهو ما يعتبره متابعون خطوة قد تفتح مرحلة غير مسبوقة من التكامل الاقتصادي بين أوروبا وإفريقيا.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن المشروع المقترح يهدف إلى إنشاء نفق بحري يصل شمال مدينة طنجة بمنطقة الغارف جنوب البرتغال في أفق سنة 2030، عبر ممرات متطورة مخصصة لحركة السير، إلى جانب ممر تقني للطوارئ وأشغال الصيانة، مع ربطه بشبكة الطرق السيارة البرتغالية.
وترى الرباط ولشبونة، بحسب المصادر ذاتها، أن هذا المشروع يمكن أن يتحول إلى محور استراتيجي جديد لتعزيز المبادلات التجارية والسياحية، خاصة في ظل الموقع الجغرافي المتميز للمغرب باعتباره نقطة عبور رئيسية نحو الأسواق الإفريقية والدولية.
ويعتبر عدد من المراقبين أن إحياء هذه المشاريع العملاقة يعكس الطموح المغربي المتواصل لتعزيز مكانته كمنصة لوجستية إقليمية وقوة صاعدة في مجال النقل والتجارة الدولية، خصوصا بعد التطور الكبير الذي شهدته البنيات التحتية الوطنية خلال السنوات الماضية.
فميناء طنجة المتوسط، الذي أصبح من بين أكبر الموانئ في حوض البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، إلى جانب شبكة الطرق السيارة والقطار فائق السرعة والمناطق الصناعية الحديثة، كلها عوامل تجعل المغرب مؤهلا للعب دور محوري في أي مشروع يربط القارتين.
ومن المرتقب أن يساهم هذا الربط، في حال تنزيله، في تسريع حركة البضائع والمسافرين، وتقليص مدة التنقل، وجذب المزيد من الاستثمارات، إضافة إلى تعزيز سلاسل التوريد الدولية في ظل احتدام المنافسة العالمية حول الممرات التجارية الحيوية.
ورغم الطابع الطموح للمشروع، فإن فكرة الربط البحري بين المغرب والبرتغال ليست جديدة، إذ سبق للطرفين أن ناقشا سنة 2021 إمكانية إطلاق خط بحري مباشر بين ميناء بورتيماو البرتغالي ومدينة طنجة، قبل أن يعود الملف اليوم برؤية أكثر اتساعا وطموحا.
في المقابل، لا تزال التحديات التقنية والجيولوجية تمثل أبرز العقبات أمام تنفيذ هذا المشروع العملاق، خاصة أن منطقة مضيق جبل طارق تصنف ضمن أكثر المناطق البحرية تعقيدا من الناحية الطبيعية.
وتؤكد دراسات إسبانية أن التيارات البحرية القوية، والأعماق الكبيرة التي تصل في بعض المناطق إلى نحو 900 متر، فضلا عن النشاط الزلزالي الناتج عن التقاء الصفائح التكتونية الإفريقية والأوراسية، تجعل من المشروع تحديا هندسيا استثنائيا يتطلب تقنيات متطورة واستثمارات مالية ضخمة.
ويرى متابعون أن هذه الصعوبات هي نفسها التي عطلت لعقود فكرة إنشاء جسر مباشر بين المغرب وإسبانيا، رغم أن أقصر مسافة بحرية بين البلدين لا تتجاوز 14 كيلومترا.
ومع ذلك، فإن عودة هذا المشروع إلى واجهة النقاش تعكس توجها استراتيجيا جديدا لدى دول غرب البحر الأبيض المتوسط، يقوم على تحويل المنطقة إلى قطب عالمي للنقل والطاقة والتجارة الدولية.
وفي حال نجاح هذه المشاريع مستقبلا، فإن المغرب قد يتحول إلى بوابة رئيسية تربط إفريقيا بأوروبا عبر شبكة حديثة من الممرات البحرية والبرية، وهو ما قد يمنح المملكة موقعا محوريا داخل أحد أهم مشاريع البنية التحتية في العالم خلال العقود المقبلة.
