“ بين أزمة الوعي السياسي وانهيار المعنى: حين تتحول السياسة إلى فراغ”

بقلم: عصام لحسيني*

مقدمة: من تعثر الأداء إلى أزمة المعنى
لم يعد ممكناً التعامل مع ما تعيشه مدينة باعتباره مجرد ضعف ظرفي في التدبير المحلي أو قصوراً في أداء بعض المنتخبين، بل نحن أمام وضع يكشف عن أزمة أعمق تمس معنى السياسة ذاته داخل المجال المحلي. فحين تفقد السياسة قدرتها على إنتاج الأمل، وعلى تأطير الاختلاف، وعلى تحويل المطالب الاجتماعية إلى سياسات عمومية، فإنها تتحول إلى ممارسة شكلية، بلا روح ولا أثر.

 

اليوم تعكس هذا التحول: حضور مؤسساتي قائم، مقابل غياب فعلي للمضمون. انتخابات تُنظم بمعدلات مشاركة لا ترقى إلى مستوى التعبئة السياسية المطلوبة، ومجالس تُشكل دون أن تواكبها برامج واضحة قابلة للتقييم، ونقاشات تُثار غالباً داخل فضاءات ضيقة أو عبر وسائل التواصل، دون أن تُترجم إلى قرارات ذات أثر مباشر على الحياة اليومية للمواطن.

 

أولاً: تفكك الوعي السياسي وانهيار الثقة

 

الوعي السياسي ليس معطى ثابتاً، بل هو نتاج تفاعل مستمر بين المواطن والمؤسسات. وفي حالة ، يبدو أن هذا التفاعل قد أصيب بخلل عميق.
فالمواطن، الذي يُفترض أن يكون فاعلاً مشاركاً، أصبح في كثير من الأحيان متردداً، فاقداً للثقة في جدوى العملية السياسية. ويظهر ذلك مثلاً في ضعف الحضور في اللقاءات العمومية، وغياب التفاعل مع آليات المشاركة المتاحة قانوناً، مثل العرائض أو طلبات إدراج نقاط في جدول أعمال المجلس.

 

هذا التراجع لا يمكن فصله عن تراكمات من الوعود غير المنجزة، مثل مشاريع تهيئة بعض الأحياء التي تعرف تأخراً، أو إشكالات متكررة تتعلق بالنظافة والإنارة العمومية، والتي تتحول مع الوقت إلى رموز يومية لفشل التدبير، ومن غياب الشفافية في اتخاذ القرار، ومن ضعف التواصل بين المنتخبين والساكنة.

 

إن أخطر ما في هذا الوضع هو أنه يُنتج نوعاً من “الانسحاب الصامت”، حيث لا يعبّر المواطن عن رفضه بشكل مباشر، لكنه ينسحب تدريجياً من المشاركة، تاركاً المجال فارغاً أمام نفس الممارسات لتستمر دون مقاومة تُذكر.
ثانياً: النخب المحلية بين العجز البنيوي والانخراط في الزبونية.

 

النخب السياسية، في أي مجتمع، هي المحرك الأساسي للتغيير، لأنها تمتلك—نظرياً—الرؤية والقدرة على التأثير. غير أن ما يُلاحظ في هو أن جزءاً مهماً من هذه النخب يعاني من ازدواجية خطيرة: عجز عن إنتاج بدائل، واستعداد للاندماج في منطق الزبونية.

 

هذا العجز لا يرتبط فقط بالكفاءة الفردية، بل بطبيعة التكوين السياسي، وغياب التأطير الحزبي الجاد، وتحول العمل الحزبي إلى مجرد قناة انتخابية موسمية. وهنا نفهم لماذا تغيب البرامج الحقيقية، ولماذا يُستعاض عنها بشعارات عامة أو وعود غير مؤطرة زمنياً أو مالياً.

 

أما الزبونية، فهي ليست مجرد سلوك فردي، بل نمط اشتغال كامل، يقوم على تبادل المنافع بدل خدمة الصالح العام. وفي ظل هذا النمط، يصبح الولاء أهم من الكفاءة، والقرب أهم من الاستحقاق، وهو ما يؤدي في النهاية إلى إضعاف المؤسسة المنتخبة وفقدانها للمصداقية.

 

وتظهر الزبونية هنا في أشكال متعددة، من قبيل التركيز على تقديم خدمات فردية (رخص، تدخلات إدارية، وساطات) بدل الاشتغال على حلول جماعية، أو ربط الدعم والمساندة بعلاقات شخصية وانتخابية. وفي هذا السياق، يصبح المنتخب أقرب إلى “وسيط” منه إلى صانع سياسات عمومية.

 

ثالثاً: غياب الرؤية الاستراتيجية وهيمنة التدبير اليومي

من أبرز مظاهر الأزمة في غياب تصور استراتيجي واضح لمستقبل المدينة. فالتدبير الحالي يغلب عليه الطابع اليومي والآني، حيث يتم التعامل مع القضايا بشكل تجزيئي، دون إدماجها في رؤية شاملة للتنمية الحضرية. كما أن فرصاً مرتبطة بالاستثمار المحلي أو تأهيل الفضاءات العمومية لا يتم استغلالها بالشكل الكافي، بسبب غياب تخطيط بعيد المدى.

المدن لا تُبنى بردود الأفعال، بل بتخطيط طويل المدى يأخذ بعين الاعتبار التحولات الاقتصادية والاجتماعية والديمغرافية. وفي غياب هذا التخطيط، تضيع الفرص، وتُهدر الموارد، ويتحول الزمن التنموي إلى زمن ضائع.
إن السؤال الجوهري الذي يظل غائباً هو: ماذا نريد ل خلال عشر أو عشرين سنة؟
دون إجابة جماعية عن هذا السؤال، ستظل كل المبادرات مشتتة، وكل الجهود محدودة الأثر.

رابعاً: اختلال ميزان المساءلة وتطبيع الرداءة

لا يمكن لأي نظام سياسي أن يستقيم دون آليات فعالة للمساءلة. وفي السياق المحلي، تشكل هذه المساءلة الضمانة الأساسية لربط المسؤولية بالمحاسبة.

غير أن الواقع يكشف عن ضعف واضح في هذا الجانب، سواء على مستوى المؤسسات أو على مستوى المجتمع. فالمجالس المنتخبة لا تخضع دائماً لتقييم موضوعي لأدائها، والإعلام المحلي لا يقوم بدوره الرقابي بالشكل الكافي، والمجتمع المدني يظل محدود التأثير.

هذا الفراغ يُنتج بيئة يُصبح فيها الفشل أمراً عادياً، بل ومقبولاً أحياناً. ومع مرور الوقت، تتآكل المعايير، ويُعاد تعريف “النجاح” بشكل منخفض، بما يتناسب مع مستوى الأداء الضعيف.

خامساً: العوامل البنيوية: حدود الفعل المحلي

رغم كل ما سبق، لا يمكن تجاهل الإكراهات البنيوية التي تؤطر عمل الجماعات المحلية.
فالصلاحيات المحدودة، وضعف الموارد المالية، وتعقيد المساطر الإدارية، كلها عوامل تُقيّد هامش المبادرة لدى الفاعل المحلي.
لكن الإشارة إلى هذه العوامل لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لتبرير الجمود، بل يجب أن تكون منطلقاً للمطالبة بإصلاحات أعمق، وللبحث عن هوامش ممكنة للإبداع في التدبير، بدل الاستسلام لمنطق العجز.

سادساً: مسؤولية المجتمع: بين العزوف وضعف التأطير

المجتمع بدوره يتحمل جزءاً من المسؤولية في تكريس هذا الوضع. لكن ليس باعتباره سبباً وحيداً، بل كجزء من دائرة متكاملة.
فالعزوف السياسي، وضعف الانخراط في العمل المجتمعي، وغياب النقاش العمومي الجاد، كلها مؤشرات على خلل في الوعي الجماعي.
إن الديمقراطية المحلية لا تُختزل في صناديق الاقتراع، بل تقوم على يقظة مستمرة، وعلى استعداد دائم للمساءلة والمشاركة. وفي غياب هذا البعد، تتحول السياسة إلى شأن خاص بالنخب، يُدار بعيداً عن رقابة المجتمع.

سابعًا: الشباب والسياسة: فجوة متسعة

يمثل الشباب نسبة مهمة من ساكنة ، ومع ذلك يظل حضوره في المجال السياسي ضعيفاً، سواء من حيث المشاركة أو التمثيلية.
هذه الفجوة لا تعود فقط إلى “عزوف” الشباب، بل إلى شعور متزايد بعدم جدوى الانخراط في فضاء لا يوفر فرصاً حقيقية للتأثير. كما أن الخطاب السياسي السائد لا يخاطب انتظاراتهم بشكل مباشر، خاصة في ما يتعلق بالتشغيل، والفضاءات الثقافية، ودعم المبادرات الشبابية.
في المقابل، يُلاحظ أن الشباب نشيط في مجالات أخرى، مثل العمل الرقمي أو المبادرات التطوعية أو روابط الألتراس، وهو ما يدل على أن المشكلة ليست في غياب الرغبة، بل في غياب قنوات إدماج حقيقية داخل الحقل السياسي.

ثامنًا: المجال الحضري كمرآة للفشل السياسي

يمكن قراءة الوضع السياسي في أيضاً من خلال المجال الحضري نفسه، باعتباره نتيجة مباشرة لخيارات التدبير.
فالتفاوت بين الأحياء، وضعف العناية ببعض الفضاءات العمومية، ونقص التجهيزات الأساسية في مناطق معينة، كلها مؤشرات تعكس غياب العدالة المجالية. كما أن غياب فضاءات خضراء كافية أو مرافق ثقافية ورياضية يُبرز محدودية الرؤية في تدبير المدينة كفضاء للعيش وليس فقط كمجال إداري.
بهذا المعنى، يصبح المجال الحضري “نصاً” يمكن قراءته لفهم السياسة: أين تُصرف الموارد؟ من يستفيد؟ ومن يتم تهميشه؟

تاسعًا: الاقتصاد المحلي وحدود خلق الفرص

لا يمكن فصل الأزمة السياسية عن الوضع الاقتصادي المحلي، حيث تعاني من محدودية في خلق فرص الشغل، خاصة لفائدة الشباب.
فالاقتصاد المحلي يظل ضعيف التنوع، مع غياب مناطق صناعية مهيكلة أو استثمارات كبرى قادرة على امتصاص البطالة. كما أن المبادرات الفردية تواجه صعوبات مرتبطة بالإجراءات الإدارية أو ضعف المواكبة.
هذا الوضع ينعكس مباشرة على الثقة في السياسة، لأن المواطن يربط بشكل تلقائي بين الأداء السياسي وقدرته على تحسين وضعه الاقتصادي. وعندما تغيب النتائج الملموسة، يتعزز الشعور بعدم جدوى العملية السياسية برمتها.

عاشرًا: نحو أفق جديد: إعادة بناء السياسة من الداخل

الخروج من هذه الأزمة يقتضي أكثر من إصلاحات تقنية؛ إنه يتطلب إعادة بناء شاملة للوعي والممارسة:
 إعادة تعريف السياسة كخدمة عمومية، قائمة على المسؤولية لا الامتياز عبر الانتقال من منطق “الخدمة الفردية” إلى منطق “الحل الجماعي”.
 إرساء آليات تواصل منتظمة، مثل لقاءات دورية مفتوحة مع المواطنين ونشر تقارير مبسطة حول الأداء.
 تشجيع بروز نخب جديدة، خاصة من الشباب، عبر التكوين والمواكبة.
 تفعيل آليات الديمقراطية التشاركية، مثل العرائض والملتمسات، بشكل فعلي وليس شكلي.

خاتمة: لحظة الحقيقة
إن اليوم أمام لحظة حاسمة:
إما الاستمرار في نفس المسار الذي يُعيد إنتاج الضعف، أو الشروع في مسار جديد عنوانه الوعي، والمسؤولية، والعمل الجاد.
فالرهان لم يعد فقط تحسين الأداء السياسي، بل استعادة الثقة في السياسة كفعل نبيل وضروري. لأن المجتمعات لا تنهار فقط بسبب الفقر أو ضعف الإمكانيات، بل حين تفقد الإيمان بقدرتها على التغيير.

*باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري