الجلوس في المقهى.. ملاذ يومي للهاربين من صخب الحياة

مريم الحمداوي

في زوايا المدن، وعلى امتداد الأرصفة المكتظة بالحركة، لا تبدو المقاهي مجرد فضاءات لاحتساء القهوة أو تمضية الوقت، بل تتحول مع مرور الساعات إلى جزء من الحياة اليومية للمغاربة وإلى ملاذ مفتوح للهاربين من ضجيج الشوارع وثقل الالتزامات وتعب الروتين.

 

هناك، خلف الطاولات الصغيرة والدخان المتصاعد والأحاديث المتقطعة، تتشكل طقوس يومية تمنح للمكان روحا تتجاوز وظيفته التقليدية.

 

منذ ساعات الصباح الأولى، تبدأ المقاهي في استقبال زبائنها المعتادين؛ موظفون يقتنصون دقائق هادئة قبل العمل، ومتقاعدون يبحثون عن رفقة تخفف وطأة الوحدة، وشباب يحملون هواتفهم وأحلامهم المؤجلة إلى طاولات تطل على الشارع. لكل واحد حكايته الخاصة مع المقهى، لكن الجميع يشترك في الحاجة إلى مساحة تمنحهم هدنة قصيرة من صخب الحياة.

 

المقهى ليس مجرد مكان للجلوس، بل فضاء اجتماعي تتقاطع فيه العزلة مع الحضور الجماعي. فقد يجلس شخص لساعات طويلة دون أن يتبادل كلمة مع أحد، مكتفيا بمراقبة المارة أو متابعة مباراة كرة قدم أو الغرق في أفكاره الخاصة. وفي الطاولة المجاورة، قد تدور نقاشات سياسية حادة أو أحاديث عابرة عن تفاصيل الحياة اليومية، وكأن المقهى يعيد إنتاج صورة مصغرة للمجتمع المغربي.

 

وتختلف ملامح المقاهي من مدينة إلى أخرى، لكنها تتشابه في قدرتها على احتضان الجميع. ففي الأحياء الشعبية، تتحول المقاهي إلى ملتقى دائم للسكان، بينما تكتسي في مراكز المدن طابعا أكثر هدوءا وحداثة، يجذب الطلبة والعاملين عن بعد والباحثين عن عزلة مؤقتة وسط الزحام. ومع ذلك، يبقى المشهد نفسه، أكواب قهوة تتكرر، كراس مصطفة نحو الشارع، وأعين تراقب الحياة وهي تمر ببطء.

 

ويرى مختصون في علم الاجتماع أن تعلق المغاربة بالمقهى يرتبط بطبيعة الحياة الحضرية وضغطها اليومي، حيث يصبح المقهى متنفسا نفسيا واجتماعيا في آن واحد.

 

وبين جدران المقهى يجد كثيرون فرصة للهروب المؤقت من ضغوط العمل أو مشاكل البيت أو حتى من الإحساس بالوحدة.