خولة اجعيفري
أعلنت وزارة الفلاحة أن العرض الوطني من الأغنام والماعز الموجه لعيد الأضحى هذه السنة يتراوح ما بين 8 و9 ملايين رأس، وهو رقم يفوق الطلب الوطني المتوقع الذي تقدره السلطات ما بين 6 و7 ملايين رأس.
وأكدت الوزارة أن الوضع الصحي للقطيع “جيد ومطمئن” وأن السلطات رفعت من وتيرة المراقبة البيطرية وتتبع مسالك البيع والتسمين مع التحضير لإحداث 35 سوقا مؤقتا بمختلف المدن لتأطير عمليات بيع الأضاحي، غير أن هذا الخطاب الرسمي يأتي في وقت يعيش فيه جزء واسع من المغاربة حالة قلق حقيقية من تكرار سيناريو السنوات الأخيرة، حيث تحولت أسعار “الحولي” إلى أحد أبرز عناوين الغلاء والاحتقان الاجتماعي داخل المملكة.
وفي مختلف الأسواق الأسبوعية ونقاط البيع بعدد من المدن الكبرى والجهات، تتواصل شكاوى المواطنين من الأسعار التي وصفها كثيرون بـ”الصادمة” خصوصا بالنسبة للأسر المتوسطة والفقيرة التي أصبحت تجد نفسها عاجزة عن مجاراة الارتفاع المتواصل في أثمان المواشي بعدما تجاوزت أسعار عدد من الأضاحي 5000 و6000 درهم، فيما لامست بعض الأكباش المستوردة أو ذات الأوزان الكبيرة سقوفا أعلى بكثير.
وفي هذا السياق، قال مهنيون لـ “الصحيفة” إن أسعار الكيلوغرام الواحد من الأغنام تتراوح حاليا، في عدد من الأسواق ما بين 80 و85 درهما، وهو ما يعني أن خروفا متوسط الحجم بوزن يقارب 60 كيلوغراما قد يصل ثمنه إلى حوالي 4900 أو 5000 درهم، بينما تتجاوز بعض الأضاحي ذات الجودة المرتفعة أو السلالات المطلوبة 7000 درهم في بعض المدن والأسواق الممتازة.
ويرى مربو ماشية أن الغلاء الحالي ليس نتيجة المضاربة فقط، بل يعود أيضا إلى الارتفاع الكبير في تكلفة التربية خلال السنوات الأخيرة خاصة مع استمرار آثار الجفاف وغلاء الأعلاف والشعير والنقل والمحروقات والأدوية البيطرية، وهي العوامل التي رفعت كلفة الإنتاج بشكل غير مسبوق.
وفي تصريحات لـ “الصحيفة” أكد عدد من الكسابة أن المربي الصغير والمتوسط أصبح بدوره يعيش تحت ضغط مالي كبير، بعدما تضاعفت أسعار الأعلاف مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات، بينما تقلص هامش الربح بفعل تراجع القدرة الشرائية للمواطنين وصعوبة البيع بالأسعار التي تغطي التكلفة الحقيقية للتربية.
ويقول المهنيون إن الأزمة الحالية لم تعد مرتبطة فقط بندرة القطيع أو وفرة العرض، بل أصبحت تعكس اختلالات عميقة داخل سلاسل التوزيع والتسويق في ظل تعدد الوسطاء والمضاربين وغياب مراقبة صارمة للأسعار، وهو ما يجعل المواطن يؤدي في النهاية تكلفة مضاعفة بين الضيعة والسوق.
ويأتي هذا الوضع رغم التدخلات الحكومية التي شملت خلال السنوات الماضية فتح باب استيراد الأغنام ومنح إعفاءات جمركية وضريبية للمستوردين بهدف تخفيف الضغط على السوق وضمان وفرة العرض، وهي الإجراءات التي أثارت جدلا واسعا بعدما اتهمت أصوات سياسية ومهنية الحكومة بالفشل في ضمان انعكاس تلك الامتيازات على الأسعار النهائية داخل الأسواق.
وكانت تصريحات سابقة لوزير الفلاحة أحمد البواري قد فجرت بدورها موجة واسعة من الانتقادات، بعدما تحدث عن وفرة القطيع وتدبير السوق في وقت كان فيه المواطنون يشتكون من الارتفاع غير المسبوق للأسعار، وهو ما اعتبره متابعون انفصالا بين لغة الأرقام الرسمية والواقع المعيشي اليومي للمغاربة.
كما سبق أن أثارت تصريحات للأمين العام لـحزب الاستقلال، نزار بركة، جدلا واسعا بعدما تحدث عن “شناقة” ووسطاء يستفيدون من ارتفاع أسعار المواشي في إشارة إلى وجود اختلالات ومضاربات داخل السوق، وهو التصريح الذي أعاد إلى الواجهة النقاش حول الجهات المستفيدة فعليا من استمرار الغلاء، وحول محدودية أثر التدخلات الحكومية في ضبط الأسعار.
ويرى متابعون أن أزمة الأضاحي باتت تتحول سنة بعد أخرى إلى مرآة تعكس هشاشة القدرة الشرائية للمغاربة، خاصة في ظل موجة الغلاء التي مست مختلف المواد الأساسية والخدمات من لحوم وخضر ومحروقات ونقل، وهو ما جعل عيد الأضحى بالنسبة لكثير من الأسر يتحول من مناسبة دينية واجتماعية إلى عبء مالي ثقيل.
وفي عدد من المدن، بدأت تظهر مبكرا مؤشرات التخوف من ضعف الإقبال مقارنة بالسنوات الماضية، حيث يتجه عدد من الأسر إلى تقليص الميزانية المخصصة للأضحية أو البحث عن أوزان أقل، بينما اختارت أسر أخرى التريث أملا في تراجع الأسعار خلال الأيام الأخيرة التي تسبق العيد.
وفي المقابل، حذر مهنيون من أن استمرار الضغط على المربين قد ينعكس مستقبلا على القطيع الوطني نفسه، خاصة إذا استمرت سنوات الجفاف وارتفاع كلفة الإنتاج دون حلول هيكلية حقيقية تدعم الكسابة الصغار وتحافظ على التوازن داخل القطاع.
وبحسب المعطيات الرسمية التي قدمتها وزارة الفلاحة، فإن وفرة العرض هذه السنة تعود إلى البرنامج الملكي لإعادة تكوين القطيع الوطني، وتحسن الظروف المناخية، إضافة إلى الولادات الخريفية والربيعية، فيما يضم القطيع الوطني حاليا حوالي 40 مليون رأس من الأغنام والماعز.
وفي إطار تتبع الحيوانات الموجهة للأضحية، كشفت الوزارة أن حوالي 160 ألف وحدة لتربية وتسمين الأغنام والماعز جرى تسجيلها من طرف المصالح المختصة، معتبرة أن هذه العملية تمثل أداة لتتبع الوضع الصحي للقطيع وضمان مراقبته.
كما أوضحت أن المصالح البيطرية التابعة لالمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية تواصل عمليات المراقبة الميدانية بمختلف جهات المملكة، والتي تشمل صحة الحيوانات وجودة مياه السقي والأعلاف والأدوية البيطرية.
وإلى حدود 12 ماي 2026، أنجزت مصالح “أونسا” أكثر من 3275 عملية مراقبة ميدانية، شملت أخذ عينات من اللحوم والأعلاف ومياه السقي والأدوية البيطرية لإخضاعها للتحليلات المخبرية، فيما أسفرت عمليات اللجان المختلطة عن تحرير 10 محاضر مخالفات.
وفي سياق تشديد المراقبة، فرضت السلطات قيودا صارمة على نقل مخلفات الدواجن، بعدما أصبح نقلها خاضعا لترخيص مسبق من المصالح البيطرية، بهدف منع أي استعمال غير قانوني لها في تسمين الماشية، وهي القضية التي كانت قد أثارت في سنوات سابقة موجة مخاوف صحية وانتقادات واسعة داخل الرأي العام.
كما تستعد السلطات لإحداث 35 سوقا مؤقتا لبيع الأضاحي داخل عدد من المناطق الحضرية، في خطوة تقول الحكومة إنها تهدف إلى تنظيم عمليات البيع وتحسين ظروف التسويق والمراقبة، غير أن مراقبين يرون أن المشكل الحقيقي لم يعد تنظيميا فقط، بل أصبح مرتبطا أساسا بقدرة الأسر على الشراء في ظل موجة غلاء غير مسبوقة.
ويؤكد متابعون أن الحكومة تواجه اليوم اختبارا اجتماعيا وسياسيا حقيقيا، لأن الرهان لم يعد فقط توفير الأضاحي داخل الأسواق بل ضمان أن يتمكن المواطن البسيط من اقتنائها دون الوقوع في مزيد من الديون والضغط المالي، خاصة بعدما أصبحت تكلفة “الحولي” تلتهم جزءا كبيرا من دخل الأسر المغربية.
