الشيخ محمد فوزي الكركري يضيء “دائرة النور” بمركز الكتاب المقدس للكنيسة الإنجيلية اللوثرية الألمانية

في مشهدٍ روحي وفكري نادر، احتضنت مدينة شلسفيغ بألمانيا لقاءً استثنائيا ضمن فعاليات “دائرة النور” التي نظمها مركز الكتاب المقدس للكنيسة الإنجيلية اللوثرية الألمانية، وذلك بدعوة رسمية خُصصت لاستضافة الشيخ محمد فوزي الكركري، في حدثٍ تجاوز الأطر التقليدية للحوار بين الأديان، ليتحول إلى فضاء عرفاني وروحي عميق استقطب نخبة من الأكاديميين والباحثين والمهنيين من مختلف الخلفيات الدينية والفكرية.

وقد اكتسب هذا اللقاء أهمية خاصة لكونه انعقد في قلب ألمانيا، البلد الذي يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز معاقل العقلانية والتقدم المادي في أوروبا، مما جعل الحدث يحمل دلالات رمزية عميقة تؤكد أن توق الإنسان إلى المعنى والحقيقة المطلقة يتجاوز الحدود الجغرافية والخلفيات الحضارية، وأن لغة الروح ما تزال قادرة على النفاذ إلى العقول والقلوب مهما بلغت هيمنة الفكر المادي.

 

ولم يكن لقاء “دائرة النور” مجرد ندوة فكرية أو حوار ديني اعتيادي، بل بدا أقرب إلى “حضرة معرفية” التف حولها الحاضرون في شكل دائري ذي دلالة رمزية واضحة، غير أن مركز هذه الدائرة ومحورها كان الشيخ محمد فوزي الكركري، الذي توجهت نحوه الأنظار والقلوب باعتباره مرشدا روحيا وقطبا للمعرفة العرفانية. وقد ضم الحضور شخصيات علمية ومهنية رفيعة من دكاترة ومهندسين وباحثين عُرفوا بتمرسهم العميق في دياناتهم وتخصصاتهم، لكنهم جلسوا بكل تواضع في مقام المتعلم المستمع، طلبا للفهم واستكشافا للرؤية الروحية التي يمثلها التصوف الكركري.

 

واتسمت الجلسة بطرح أسئلة وجودية ولاهوتية دقيقة عكست عمق الاهتمام الفكري للحاضرين، حيث تمحورت النقاشات حول فلسفة الحوار بين الأديان، ومعنى الانفتاح الروحي، وجوهر الرسالات السماوية، والحقيقة الجامعة التي تتجاوز الاختلافات الشكلية بين التقاليد الدينية. كما تناول اللقاء مفهوم “النور” في التجربة الصوفية وعلاقته بالمعنى الروحي في التراث المسيحي، خاصة من خلال التأمل في العبارة الإنجيلية: “أنا نور العالم”، في تقاطع لاهوتي وعرفاني فتح آفاقاً جديدة للتأويل الروحي المقارن.

 

كما انتقل الحوار من الأسئلة النظرية إلى الجانب العملي المتعلق بأزمة الإنسان المعاصر وسبل الوصول إلى السكينة الداخلية، حيث طُرحت تساؤلات حول كيفية تحقيق الطمأنينة القلبية وسط عالم سريع ومضطرب، ليقدّم الشيخ الكركري تصورا روحياً قائما على تزكية النفس ومجاهدة القلب ومشاهدة النور الإلهي باعتباره طريقاً للتحرر الداخلي والسلام الروحي.

 

وقد بدا واضحا خلال اللقاء حجم التأثير الذي أحدثته إجابات الشيخ في نفوس الحاضرين، إذ ساد جو من الإصغاء العميق والانتباه الكامل، في مشهدٍ عكس تعطشا حقيقيا لدى عدد من النخب الغربية للبحث عن خطاب روحي يتجاوز الجدل النظري نحو التجربة الحية والمعنى المباشر، وهو ما جعل هذا الحدث يُنظر إليه باعتباره تجربة فريدة للحوار الروحي العابر للحدود الثقافية والدينية.

 

إن اجتماع هذه النخبة الأكاديمية والمهنية المتنوعة حول الشيخ محمد فوزي الكركري في قلب ألمانيا، وجلوسهم بين يديه للاستماع والتفاعل مع رؤيته العرفانية، يعكس المكانة المتزايدة التي بات يحتلها التصوف كقوة روحية ناعمة قادرة على مخاطبة الإنسان المعاصر بلغة كونية تتجاوز الانقسامات والهويات الضيقة. كما يؤكد أن “دائرة النور” لم تكن مجرد فعالية للحوار بين الأديان، بل محطة فكرية وروحية جسدت قدرة الخطاب الصوفي على إعادة إحياء سؤال المعنى داخل المجتمعات الحديثة، وترسيخ قيم المحبة والسلام والتلاقي الإنساني.