قال حسن اشهبار، أستاذ القانون الدستوري بجامعة فاس، إن الجدل الذي أثارته تصريحات وزير العدل بشأن المحكمة الدستورية يتجاوز مجرد اختلاف سياسي أو قانوني حول قراراتها، ليكشف عن إشكال أعمق يتعلق بطبيعة العلاقة بالمؤسسات الدستورية وحدود السلطة داخل الدولة.
وأوضح اشهبار أن أهمية المحكمة الدستورية لا تتجلى حين توافق توجهات الحكومة أو البرلمان، بل عندما تمارس دورها في تقييد السلطة وإخضاعها لمنطق الدستور، معتبرا أن الانزعاج من بعض قراراتها أمر مفهوم، غير أن تحويل ذلك إلى تبخيس للمؤسسة الدستورية يثير القلق بشأن مستوى الوعي المؤسساتي والثقافة الدستورية داخل الفضاء السياسي.
وأضاف أن اختزال الرقابة الدستورية في كونها “تعطيلا” للمسار التشريعي، أو التقليل من شرعية المحكمة بسبب عدد أعضائها مقارنة بعدد المتدخلين في إعداد القوانين، يعكس سوء فهم لطبيعة الدولة الدستورية، مؤكدا أن الشرعية لا تقاس دائما بمنطق الأغلبية، وأن وظيفة القضاء الدستوري هي حماية القواعد الدستورية حتى في مواجهة إرادة سياسية واسعة.
واعتبر الأستاذ الجامعي أن فكرة التساؤل حول “كيف لعدد محدود من القضاة أن يوقفوا نصا شارك في إعداده البرلمان والحكومة والخبراء” تتنافى مع فلسفة الرقابة الدستورية، التي وجدت أساسا لأن المؤسسات السياسية قد تخطئ، ولأن حسن النية في الإصلاح لا يمنح أي قانون حصانة ضد السقوط في مخالفة الدستور.
وسجل اشهبار أن بعض ردود الفعل تجاه قرارات المحكمة الدستورية تعكس ما وصفه بـ”ثقافة الهزيمة أمام الرقابة”، حيث يتم التعامل مع قرار المحكمة باعتباره إهانة سياسية أو عرقلة لمشروع حكومي، بدل اعتباره آلية دستورية لتصحيح الاختلالات وتحسين جودة النصوص القانونية.
وأكد أن الدول التي ترسخت فيها الثقافة الدستورية تنظر إلى قرارات المحاكم الدستورية باعتبارها جزءا طبيعيا من توازن المؤسسات، لا مواجهة بين سلطات الدولة، مشيرا إلى أن الفرق بين “دولة الأشخاص” و”دولة المؤسسات” يظهر أساسا في طريقة تدبير الخلافات الدستورية واحترام منطق التعليل والمؤسسات.
وشدد أستاذ القانون الدستوري على أن المسؤول الحكومي من حقه أن يختلف مع بعض حيثيات قرارات المحكمة الدستورية، لكن يفترض أن يتم ذلك بلغة الدولة ومقتضيات المسؤولية المؤسساتية، عبر التعبير عن احترام القرار والعمل على تعديل النصوص بما ينسجم مع الدستور، بدل الانزلاق إلى خطاب قد يضعف الثقة في المؤسسات الدستورية لدى الرأي العام.
كما حذر من الآثار الرمزية لمثل هذه التصريحات على التربية الدستورية للمجتمع، موضحا أن المواطنين لا يتلقون من المسؤولين فقط معطيات تقنية، بل أيضا نماذج في كيفية التعامل مع القانون والمؤسسات، وهو ما يجعل أي تبخيس للقضاء الدستوري مؤثرا في صورة الدستور وهيبة المؤسسات داخل الوعي الجماعي.
وأشار اشهبار إلى أن المحكمة الدستورية لا تعرقل الإصلاحات ولا تنازع البرلمان اختصاصاته، بل تمارس دورها في ضمان احترام الحدود الدستورية وحماية الحقوق والضمانات، مضيفا أن جودة القوانين لا تقاس فقط بالأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، وإنما أيضا بقدرتها على الصمود أمام الرقابة الدستورية.
وختم المتحدث بالتأكيد على أن الدولة الدستورية لا تبنى بمنطق الانتصار على المحكمة الدستورية، بل بالانتصار لمنطق الدستور نفسه، القائم على إخضاع كل سلطة، مهما كانت قوتها أو مشروعيتها السياسية، لامتحان الشرعية الدستورية.
