تتواصل في الأوساط الإعلامية الإسبانية، قراءات متباينة بشأن المسار الاقتصادي للمغرب، في ظل تصاعد المؤشرات التي تتوقع تسارع نموه خلال السنوات المقبلة مقارنة بعدد من الاقتصادات الأوروبية، وفي مقدمتها إسبانيا.
في هذا السياق، توقعت صحيفة “أس” في تقرير حديث لها، أن يشهد الاقتصاد المغربي خلال السنوات المقبلة تسارعا ملحوظا في وتيرة نموه، إلى درجة قد تجعله يتجاوز نظيره الإسباني من حيث معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي، مستندة في ذلك إلى أحدث تقديرات صندوق النقد الدولي التي تشير إلى إمكانية تسجيل المغرب نموا يفوق 4 في المائة خلال العامين المقبلين، مقابل نسب أقل للاقتصاد الإسباني.
وأشارت الصحيفة إلى أن هذه الدينامية تثير نقاشا داخل الأوساط الإسبانية، حيث تميل بعض التحليلات إلى التحذير من سرعة التحول الاقتصادي المغربي، خاصة في القطاعات الصناعية والتصديرية، بينما تتجه أخرى إلى قراءة أكثر توازنا تربط هذا النمو بإعادة هيكلة طويلة الأمد يشهدها الاقتصاد المغربي.
وأبرز التقرير أن المغرب “يستعد لتجاوز إسبانيا على المستوى الاقتصادي من حيث النمو”، معتبرا أن هذا التحول المحتمل يرتبط بشكل أساسي بالدينامية التي يعرفها القطاع الصناعي، وخاصة قطاع السيارات، الذي وصفته الصحيفة بـ”القطاع النجمي في الصناعة الوطنية المغربية”.
وأشار المصدر، إلى أن المعطيات التي يستند إليها صندوق النقد الدولي تظهر بوضوح أن الناتج المحلي الإجمالي المغربي مرشح للارتفاع بنسبة كبيرة خلال العامين القادمين، وهو ما يعكس “انتقال المغرب إلى مرحلة جديدة من التطور الاقتصادي القائم على التصنيع والتصدير”.
وتبرز “أس” أن قطاع السيارات يشكل اليوم أحد أهم محركات هذا النمو، بعدما تمكن المغرب من ترسيخ مكانته كقوة صناعية صاعدة على مستوى القارة الإفريقية، بإنتاج يقارب 700 ألف سيارة سنويا، وبقيمة صادرات بلغت حوالي 10.89 مليار يورو خلال سنة 2024، وهو ما يجعل هذا القطاع، وفق التقرير، يفوق في وزنه التصديري قطاعات تقليدية أخرى مثل الأسمدة والكابلات المعزولة.
وتضيف أن هذا التحول في بنية الصادرات المغربية، يعكس إعادة توجيه واضحة نحو الصناعات ذات القيمة المضافة العالية، وهو ما ساهم في تعزيز موقع المغرب داخل سلاسل الإنتاج العالمية، خصوصا في قطاع السيارات الذي بات يمثل ركيزة أساسية في الاقتصاد الوطني.
ولم تقتصر أسباب هذا الأداء، حسب “أس”، على الصناعة فقط، بل شملت أيضا انتعاش قطاع السياحة الذي سجل رقما قياسيا بلغ 19.8 مليون زائر العام الماضي، إضافة إلى ارتفاع الاستثمارات العمومية وتطور قطاع الطاقة، خاصة الطاقات المتجددة، التي ساهمت في استقرار تكاليف الإنتاج وتحسين تنافسية الاقتصاد المغربي.
وفي سياق متصل، أوردت صحيفة “إيكومينيستا” الإسبانية، تحليلا موازيا، اعتبرت فيه أن الاقتصاد المغربي “يشق طريقه بثبات نحو مرحلة جديدة من التحول”، مؤكدة أن المملكة لم تعد تعتمد فقط على مواردها التقليدية، بل دخلت مرحلة تنويع اقتصادي عميق يشمل الصناعة والسياحة والطاقة والخدمات.
وأشارت “إيكومينيستا” إلى أن هذا المسار يعكس تحولا تدريجيا في النموذج التنموي المغربي، حيث يتم الانتقال من اقتصاد يعتمد على المواد الأولية إلى اقتصاد صناعي وخدماتي أكثر تنوعا، مع تسجيل تحسن في عدد من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، من بينها تراجع نسبي في معدلات الفقر وتحسن جاذبية الاستثمار الأجنبي.
وترى الصحيفة الإسبانية أن هذا الزخم الاقتصادي يمنح المغرب موقعا متقدما داخل الاقتصادات الناشئة، خاصة في منطقة شمال إفريقيا، حيث أصبح لاعبا رئيسيا في مجالات الصناعة والتصدير والبنية التحتية، مع طموح واضح لتعزيز مكانته كمركز إقليمي للإنتاج والابتكار.
وختمت المصادر تحليلها بالتأكيد على أن المغرب، رغم استمرار الفارق الهيكلي مع الاقتصاد الإسباني من حيث الحجم والإمكانات الإجمالية، بات يشكل حالة اقتصادية صاعدة في جنوب المتوسط، مدعومة بإصلاحات استراتيجية واستثمارات موجهة، ما يجعله مرشحا للحفاظ على دينامية نمو قوية خلال السنوات المقبلة.
