في سياق التحولات الرقمية المتسارعة عالميا، يواجه المغرب مرحلة مفصلية في مسار سوق الشغل، حيث بات الذكاء الاصطناعي عاملا مؤثرا في إعادة توزيع فرص العمل وتهديد عدد من الوظائف التقليدية. هذا التحول يضع الاقتصاد الوطني أمام تحدي تحقيق توازن دقيق بين فقدان مناصب الشغل وخلق بدائل جديدة قادرة على استيعاب اليد العاملة.
تقرير حديث صادر عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة يرصد هذه الدينامية، مشيرا إلى أن المملكة تمر بمرحلة انتقالية حساسة قد تُفضي إلى تغييرات هيكلية عميقة في بنية التشغيل. ووفق المعطيات نفسها، فإن عددا مهما من الوظائف يواجه خطر التأثر المباشر أو الجزئي بفعل الأتمتة، في مقابل قدرة محدودة للاقتصاد الرقمي على تعويض هذا النزيف.
وتبرز مكامن الخطر بشكل خاص في قطاعات تعتمد على المعالجة الروتينية للبيانات والخدمات عن بعد، مثل مراكز النداء والخدمات المالية والإدارية، إلى جانب بعض الصناعات التي بدأت تشهد إدماجاً متزايداً للتقنيات الذكية. كما يثير التقرير ما وصفه بمفارقة التأهيل، حيث لم تعد الشهادات العليا ضمانة كافية للحماية من تأثيرات الذكاء الاصطناعي، في ظل قدرته على محاكاة عدد من المهارات الذهنية.
ومع أفق 2035، يُتوقع أن تتعمق هذه التحولات مع انتشار التقنيات الروبوتية، ما قد يؤثر حتى على القطاعات التي كانت تعتمد على اليد العاملة منخفضة الكلفة. في المقابل، يظل القطاع غير المهيكل عاملا معقدا؛ إذ يوفر نوعا من الحماية المؤقتة، لكنه يحد من فرص الاستفادة من مكاسب الرقمنة.
في ضوء هذه المعطيات، يبرز تحدي التأهيل كأحد أبرز الرهانات، حيث يحتاج المغرب إلى تسريع وتيرة تكوين الكفاءات الرقمية لمواكبة الطلب المتزايد. ويؤكد التقرير أن الفرصة لا تزال قائمة، لكنها محدودة زمنيا، ما يستدعي إصلاحات عميقة في منظومة التكوين والحماية الاجتماعية لضمان انتقال سلس نحو اقتصاد رقمي أكثر توازنا واستدامة.
