داخل عالم “عبد الإله د هولندا” الرجل الثاني في شبكة أنفاق المخدرات كما تكشفه التسجيلات السرية

منير أبو المعالي

لم يعد الحديث عن شبكات تهريب الحشيش بين شمال المغرب وأوروبا يقتصر على مسارات تقليدية تنطلق من مناطق الإنتاج نحو الضفة الشمالية، بل أصبح يتعلق ببنية معقدة متعددة المستويات، تُدار عبر دوائر متشابكة تجمع بين التمويل والتنسيق والتنفيذ. داخل هذا التحول، يبرز اسم عبد الإله أدخول، المعروف داخل الشبكة بلقب “عبد الإله د هولندا”، كأحد الوجوه التي تعكس هذا التحول العميق، وفق ما تكشفه تفاصيل محضر قضائي إسباني مدعوم بتسجيلات صوتية دقيقة.

 

في مقهاه الأنيق بحي باب سبتة بمدينة الفنيدق، على مرمى كيلومتر واحد فقط من الحدود ومن النفق الذي صار لاحقا جزءا من أسرار التحقيق، كان عبد الإله أدخول يجلس كما لو أنه أحد أعيان المدينة العائدين من أوروبا. أمام فناجين القهوة وأحاديث المساء، كان يقدم نفسه باعتباره رجل أعمال ناجحا قادما من هولندا، يملك مجمعا من الشقق السياحية الفاخرة، ويستثمر في المطاعم والمقاهي والفنادق.

 

إلى جانبه، كان شريكه الدائم مصطفى الشعايري، الملقب بـ”البروزي”، لا يكاد يفارق مجلسه، فيما تعاقب على طاولته منتخبون محليون، ووجوه نافذة، ومسؤولون اعتادوا مجالسته في ذلك الفضاء القريب من أكثر حدود المنطقة حساسية.

 

كان أدخول يتحدث بثقة العارف بكل شيء؛ له رأي في السياسة، وتعليق في المجتمع، ونصيحة في الاقتصاد، ويتصرف كما لو أنه خبير في شؤون البلاد والناس. غير أن تلك الثقة كانت ترتبك كلما مرت كلمة “بزناز” في الحديث، فيرتسم على وجهه حرج خاطف سرعان ما يخفيه بابتسامة باردة.

 

ففي الحقيقة، لم يكن الرجل مجرد مستثمر في المقاهي والعقار والسياحة، بل كان، وفق ما تكشفه التسجيلات السرية، أحد رجال الظل في شبكة أنفاق وتهريب مخدرات نشطت على تخوم تلك الحدود.

 

واليوم، بعدما سقط شركاؤه وتفككت أجزاء من الشبكة، اختفى أدخول عن الأنظار، متواريا في مكان ما داخل المغرب، تاركاً خلفه مقهاه، وصورته المصقولة، وأسئلة ثقيلة لم تجد جوابها.. إلى الآن.

 

بنية الشبكة: من المغرب إلى أوروبا

 

في التسجيلات السرية، لا يظهر أدخول كشخصية ثانوية أو عابرة، بل كفاعل مركزي داخل التنظيم، حيث يرد اسمه مقرونًا بوظيفة واضحة: “ممول/مستقبل لكميات كبيرة من المخدرات التي يتم إدخالها إلى إسبانيا””. هذا التوصيف يضعه في موقع حساس داخل الشبكة، يجمع بين التحكم في التدفقات المالية والإشراف على المرحلة النهائية من توزيع الشحنات داخل أوروبا، وهو ما يمنحه نفوذًا يتجاوز حدود الأدوار التقليدية.

 

تكشف التسجيلات أن الشبكة التي ينتمي إليها أدخول تعتمد على مسارات متعددة، تبدأ من شمال المغرب، حيث يتم تجميع الحشيش، ثم يتم نقله عبر قوارب أو مسارات برية نحو سبتة أو السواحل الإسبانية، قبل أن يُعاد توجيهه نحو دول أوروبية، أبرزها هولندا. في هذا السياق، يظهر عبد الإله كحلقة محورية في هذا الامتداد، خصوصًا في المرحلة التي تلي دخول المخدرات إلى التراب الأوروبي.

 

إحدى المكالمات المسجلة بتاريخ 3 نونبر 2025 تقدم صورة دقيقة عن هذا الامتداد، حيث يقول مصطفى الشاعري (البروزي) أثناء حديثه مع أدخول: “اليوم سنُخرج الشحنة… في البرتغال الوضع صعب… البحارة لديهم مشاكل… أريد إخراج هذه السلعة من هناك… الناس في الدار البيضاء وضعوا أموالهم معنا… المسؤولية صعبة”.

 

ثم يضيف في نفس المكالمة: “هل وصلت السلعة؟… نعم، استلمها رجال هولندا… الشاحنة لم تتحرك”.

هذا الحوار يكشف أن “رجال هولندا” يمثلون المرحلة الأخيرة في سلسلة التهريب، وأن عبد الإله أدخول هو أحد الوجوه التي تشرف على هذه المرحلة، سواء من حيث الاستقبال أو التوزيع.

من التمويل إلى العمليات: تورط مباشر في الشحنات الكبرى
خلافا لما قد يوحي به دوره كممول، تشير المعطيات إلى أن أدخول كان مرتبطا بشكل مباشر بعمليات تهريب كبرى، من بينها عملية نقل بحري انتهت بحجز 650 كيلوغراما من الحشيش، وهو ما يؤكده المحضر بشكل صريح. كما يرتبط اسمه بشحنات أخرى تم ضبطها داخل مستودعات، ما يعكس حضوره في قلب العمليات، وليس فقط في خلفيتها المالية.

هذا التداخل بين التمويل والتنفيذ يعكس طبيعة الشبكات الحديثة، حيث لم يعد هناك فصل واضح بين “العقل المالي” و”المنفذ الميداني”، بل أصبح الفاعلون الكبار يجمعون بين الدورين لضمان التحكم الكامل في العملية.

التسجيلات الصوتية: عندما تتحدث الشبكة من الداخل

القيمة الحقيقية لهذا المحضر تكمن في التسجيلات الصوتية التي توثق نقاشات يومية داخل الشبكة، حيث يظهر عبد الإله أدخول كطرف حاضر في كل التفاصيل. ففي مكالمة أخرى بتاريخ 19 يونيو 2025، يدور حوار بينه وبين البروزي يكشف حجم التوتر داخل التنظيم:

البروزي: “أنا في الطريق السيار… دعنا نؤجل الحديث إلى الغد”..

عبد الإله: (غير مسموع)

البروزي: “لقد اتصل بي الهولندي وقال لم نتحرك”..

ثم يستمر النقاش ليكشف عن شكوك وصراعات داخلية:

البروزي: “الآن عرفت من هو… عبد الإله من هولندا… طويل وله لحية”..

هذه الإشارات، رغم بساطتها الظاهرية، تعكس دينامية داخلية معقدة، حيث تتداخل الثقة والشك، والتنسيق والصراع، داخل شبكة تعتمد على السرية والسرعة في اتخاذ القرار.

“أنا أستاذكم”.. سلطة غير معلنة داخل التنظيم

في تسجيل آخر، يتخذ خطاب عبد الإله منحى أكثر وضوحا من حيث السلطة داخل الشبكة، حيث يخاطب البروزي قائلا:

“أنا أستاذكم… يجب أن تستمعوا لي… أنتم لا تسمعون وتُتعبونني مجانا”..

كما يحذره بشكل مباشر من مخاطر إدخال الشحنات عبر سبتة:

“إذا ظهرت السلعة في سبتة… سيعرفون أنها لك… وسيأتون إليك”..

هذا الخطاب يكشف أن عبد الإله لم يكن مجرد ممول أو شريك، بل كان يمارس دورا توجيهيا، أقرب إلى “المستشار” أو “الخبير” داخل التنظيم، وهو ما يعزز موقعه داخل هرم الشبكة.

الامتداد الدولي: من الدار البيضاء إلى البرتغال وهولندا

التسجيلات تكشف أيضا أن الشبكة لا تشتغل في نطاق جغرافي محدود، بل تمتد إلى عدة دول، حيث يتم التنسيق مع عناصر في البرتغال، والحديث عن ضغوط من ممولين في الدار البيضاء، ما يعكس شبكة متعددة الجنسيات. في إحدى المكالمات، يقول البروزي:

“الناس في الدار البيضاء وضعوا أموالهم معنا… لا أستطيع حتى الرد على الهاتف”..

هذا المعطى يبرز أن التمويل لا يأتي فقط من الخارج، بل أيضا من داخل المغرب، ما يجعل الشبكة أكثر تعقيدا من حيث البنية.

ما تكشفه هذه التسجيلات لا يتعلق فقط بشخص، بل ببنية كاملة لشبكة عابرة للحدود، يقف فيها “عبد الإله د هولندا” كأحد أبرز الفاعلين في مستوى القرار. من التمويل إلى التوجيه، ومن التنسيق إلى التنفيذ، يظهر أدخول كحلقة مركزية في سلسلة تمتد من سواحل شمال المغرب إلى أسواق أوروبا.