لى النقيض من تطمينات وزارة الفلاحة والتنمية القروية التي لا تفتأ تؤكد “وفرة” رؤوس الأغنام وجاهزية العرض لمواجهة الطلب المتزايد قبيل عيد الأضحى، كشفت بيانات بورصة الأسعار بمجازر الدار البيضاء عن واقع صادم يضع “رواية الوفرة” في مهب الريح؛ حيث سجلت أسعار الجملة للحوم الأغنام قفزة تاريخية غير مسبوقة بوصولها إلى 140 درهماً للكيلوغرام الواحد.
هذا الرقم، الذي يُعد الأعلى في تاريخ المجازر المغربية، يطرح علامات استفهام حارقة حول مصير ملايير الدراهم التي صُرفت من المال العام لدعم الأعلاف وتسهيل الاستيراد، في وقت كان يُفترض فيه أن تساهم الأمطار الغزيرة التي شهدها المغرب هذا العام، بعد سبع سنوات من الجفاف، في خفض التكاليف وتحقيق توازن السوق.
وتشير القراءة التقنية لمسار الأسعار إلى أن “وزارة البواري” تواجه اليوم مأزقاً تدبيرياً يتجاوز مبررات “الظروف المناخية”؛ فالموسم الفلاحي الحالي يُصنف ضمن الأفضل منذ عقد، والمراعي استعادت عافيتها بشكل كامل، ومع ذلك، تواصل الأسعار تحليقها بعيداً عن القدرة الشرائية للمواطن.
وتؤكد مصادر مهنية مطلعة من داخل سلاسل الإنتاج أن أصل الأزمة لا يكمن في “الطبيعة”، بل في “سوء التقدير الاستراتيجي” الذي طبع تدبير القطيع الوطني خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
وتوضح هذه المصادر أن الوزارة الوصية سمحت باستنزاف إناث الأغنام (النعاج) وذبحها في المجازر الحضرية دون قيود صارمة، وهو ما أدى إلى تآكل “النواة الصلبة” للقطيع المغربي، مما جعل عملية “إعادة التكوين” التي تتحدث عنها الحكومة اليوم تسير ببطء شديد لا يواكب احتياجات السوق الاستهلاكية.
وفي الوقت الذي تروج فيه الحكومة لنجاعة مخططات الدعم، يرى مراقبون للقطاع أن هذه المنح المالية ذهبت في اتجاه واحد نحو كبار المستوردين والمضاربين، دون أن يظهر لها أثر ملموس في أسعار البيع النهائي.
وتكشف المعطيات الميدانية أن الدعم المخصص للأعلاف لم يمنع “تجار الأزمات” من التحكم في العرض والطلب، مستغلين غياب آليات الرقابة الصارمة في أسواق الجملة.
وتفيد مصادر مهنية بأن ما يحدث حالياً هو “نتيجة حتمية لسياسة الهروب للأمام”، حيث تم التركيز على حلول ترقيعية عبر الاستيراد بدلاً من حماية المنتج الصغير وتحصين القطيع المحلي من الذبح العشوائي، مما جعل السوق المغربية رهينة للوسطاء الذين يحددون الأسعار وفق منطق الربح الأقصى، مستفيدين من غطاء “الدعم الحكومي” الذي لم يخدم سوى مصالحهم الضيقة.
وترى المصاذر، أن تحميل الحكومة المسؤولية المباشرة عن هذا “الانفلات السعري” ينبني على معطى موضوعي يتمثل في الفشل في ربط الدعم العمومي بسقوف سعرية محددة تضمن حماية المستهلك. فبينما كان من المفترض أن تؤدي التساقطات المطرية الأخيرة إلى وفرة في الكلأ الطبيعي وبالتالي انخفاض كلفة الإنتاج، حدث العكس تماماً، مما يوحي بأن هناك خللاً عميقاً في بنية التوزيع.
وتذهب المصادر ذاتها، إلى أن الوزارة الوصية سقطت في فخ “التقارير المكتبية” التي تتحدث عن ملايين الرؤوس الجاهزة للذبح، بينما الواقع الميداني يشير إلى نقص حاد في العرض الجيد، وهو ما يفسر ارتباك المهنيين وتخوفهم من “عيد أسود” على جيوب المغاربة.
وترى المصادر، أنهذا الوضع يضع الحكومة أمام امتحان المصداقية؛ فإما الاعتراف بفشل استراتيجية التدخل في قطاع اللحوم الحمراء وإعادة النظر في منظومة الدعم، أو الاستمرار في إنتاج “خطاب الطمأنة” الذي لم يعد يجد له صدى في الأسواق التي باتت تشتعل بلهيب الأسعار تحت أعين المسؤولين.
ـقلم سامية مجد
