في ظل التحولات الاقتصادية العالمية وتسارع التنافس الإقليمي، تحظى المقارنة بين الاقتصادين المغربي والجزائري باهتمام متزايد من طرف المؤسسات الدولية، التي ترصد أداء البلدين وفق مؤشرات النمو، التنوع الاقتصادي، والاستقرار الاجتماعي. وبينما يتقاسم البلدان نفس الفضاء الجغرافي، تكشف الأرقام والقراءات التحليلية عن نموذجين اقتصاديين مختلفين إلى حد بعيد.
وفق تقارير صادرة عن صندوق النقد الدولي، يسجل الاقتصاد الجزائري حجما أكبر من حيث الناتج الداخلي الخام، مدفوعا بعائدات المحروقات، حيث تتراوح قيمته بين 220 و250 مليار دولار. في المقابل، يقترب الناتج الداخلي الخام للمغرب من 150 إلى 170 مليار دولار، غير أن الفارق لا يعكس بالضرورة قوة هيكلية، بقدر ما يعكس طبيعة الموارد المعتمدة في كل بلد.
ويؤكد خبراء أن الفارق الجوهري يكمن في بنية الاقتصاد. فالجزائر تعتمد بشكل كبير على قطاع الطاقة، تقوده شركة سوناطراك، ما يجعل اقتصادها رهينا بتقلبات أسعار النفط والغاز في الأسواق الدولية. أما المغرب، فقد اختار منذ سنوات نهج تنويع اقتصادي يشمل قطاعات الفلاحة والصناعة والخدمات، مع بروز فاعلين صناعيين كبار مثل مجموعة OCP، إضافة إلى تطور ملحوظ في صناعات السيارات والطيران.
وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن الاقتصاد المغربي يتميز بمرونة أكبر، بفضل انفتاحه على الأسواق العالمية، خاصة عبر شراكاته مع الاتحاد الأوروبي، ما يعزز قدرته على جذب الاستثمارات الأجنبية. في المقابل، يظل الاقتصاد الجزائري أقل اندماجا في الاقتصاد العالمي، رغم الإمكانات المالية التي توفرها عائدات الطاقة.
على المستوى الاجتماعي، تسجل المؤسسات الدولية تحديات متقاربة في البلدين، خاصة ما يتعلق ببطالة الشباب والفوارق الاجتماعية. ففي المغرب، لا تزال الفوارق بين العالمين الحضري والقروي قائمة، رغم بروز طبقة متوسطة تسعى إلى التوسع. أما في الجزائر، فتعتمد الدولة بشكل كبير على سياسة الدعم الاجتماعي للحفاظ على القدرة الشرائية، وهو ما يخفف نسبيا من حدة التفاوت، لكنه يطرح تساؤلات حول الاستدامة في حال تراجع مداخيل النفط.
كما أن مسألة التشغيل تظل من أبرز التحديات المشتركة، حيث يعاني خريجو الجامعات في البلدين من صعوبة الاندماج في سوق الشغل، نتيجة فجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات الاقتصاد. ويبرز هنا اختلاف في المقاربة؛ إذ يتجه المغرب نحو تعزيز التكوين المهني وتشجيع المبادرة الخاصة، بينما تظل الجزائر أكثر اعتمادا على التوظيف في القطاع العمومي.
ولم تغب الأبعاد السياسية والاجتماعية عن تقييم المؤسسات الدولية، حيث ينظر إلى الاستقرار كعامل حاسم في جذب الاستثمار. ففي الوقت الذي يحافظ فيه المغرب على استقرار سياسي مهم، عرفت الجزائر تحولات بارزة خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع الحراك الجزائري، الذي عكس مطالب شعبية بإصلاحات اقتصادية وسياسية عميقة.
في المحصلة، تبرز تقارير المؤسسات الدولية أن المغرب يسير في اتجاه بناء اقتصاد متنوع وأكثر قدرة على التكيف مع التحولات العالمية، رغم التحديات الاجتماعية القائمة. أما الجزائر، فرغم قوتها المالية المرتبطة بالموارد الطبيعية، فهي مطالبة بتسريع وتيرة الإصلاحات لتنويع اقتصادها وتقليل اعتمادها على المحروقات.
وبين هذا وذاك، يبقى مستقبل البلدين رهينا بقدرتهما على تحقيق توازن دقيق بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، في سياق إقليمي ودولي يزداد تعقيدا يوما بعد يوم.
