النفط يتجاوز 100 دولار بسبب الحرب في الشرق الأوسط

 

تُهدّد القفزة الحادة في أسعار النفط، الناتجة عن التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، بإلحاق كلفة إضافية تصل إلى 15 مليار درهم بالاقتصاد المغربي عن كل زيادة بـ10 دولارات في سعر البرميل، وذلك في ظل اعتماد المملكة على استيراد نحو 90% من حاجياتها الطاقية الأمر الذي يضع التوازنات المالية والاقتصادية أمام ضغط غير مسبوق قد يمتد إلى التضخم والعجز وميزان الأداءات.

 

ويجد المغرب نفسه مرة أخرى في مواجهة صدمة خارجية عنيفة، لا يملك بشأنها سوى هامش محدود من التحكم فمع الضربات الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، ودخول مضيق هرمز في حالة شلل شبه كامل امتدت تداعيات الأزمة بسرعة إلى الأسواق العالمية حيث قفزت أسعار النفط والغاز إلى مستويات تعكس حجم الارتباك الذي أصاب سلاسل الإمداد.

 

في هذا السياق، تُحذّر تقديرات مؤسسة “ساهام ريسيرش” وهي وحدة دراسات وتحليل اقتصادي معنية بإعداد تقارير ماكرواقتصادية واستشرافية حول الاقتصاد المغربي والأسواق المالية، من أن كل ارتفاع بـ10 دولارات في سعر برميل النفط مقارنة بالفرضيات المعتمدة في قانون المالية لسنة 2026، يكلّف الاقتصاد المغربي حوالي 15 مليار درهم إضافية، وهو رقم يكشف بوضوح حجم الهشاشة البنيوية المرتبطة بتبعية المملكة شبه الكاملة للواردات الطاقية، التي تغطي نحو 90% من حاجياتها.

 

وتحول ارتفاع أسعار الطاقة، إلى صدمة مركبة تعيد طرح هشاشة النموذج الطاقي المغربي وتكشف بشكل صارخ حجم الارتباط العضوي بالتحولات الجيوسياسية فمع دخول مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو خمس النفط العالمي في حالة شلل شبه كامل انقلبت معادلة العرض والطلب في أسواق الطاقة، واندفعت الأسعار نحو مستويات تتجاوز كل التوقعات التي بُنيت عليها الفرضيات الحكومية لسنة 2026.

 

هذا الارتفاع، الذي دفع سعر خام برنت إلى تجاوز عتبة 100 دولار للبرميل وفق الدراسة ذاتها لا يعني فقط ارتفاع كلفة الاستيراد بل يفتح سلسلة من التداعيات المتشابكة التي تبدأ من ميزانية الدولة ولا تنتهي عند القدرة الشرائية للمواطنين فكل دولار إضافي فوق السعر المرجعي المعتمد في قانون المالية يترجم مباشرة إلى ضغط على النفقات العمومية سواء عبر صندوق المقاصة أو من خلال ارتفاع كلفة دعم المواد الأساسية، وعلى رأسها غاز البوتان الذي يشكل أحد أعمدة التوازن الاجتماعي في البلاد.

 

وتشير التقديرات إلى أن سعر البوتان مرشح للارتفاع إلى ما بين 750 و850 دولارا للطن مقارنة بـ500 دولار المعتمدة في قانون المالية، ما يعني عمليا توسيع فجوة الدعم العمومي بمليارات الدراهم في وقت تجد فيه الحكومة نفسها أمام معادلة معقدة بين الحفاظ على التوازنات المالية وحماية القدرة الشرائية وهي معادلة تزداد صعوبة في سياق دولي يتسم بارتفاع أسعار الغذاء واضطراب سلاسل الإمداد.

 

فالأزمة الحالية لا تقتصر على الطاقة، بل تمتد إلى المواد الأساسية حيث يُتوقع أن تؤدي التوترات الجيوسياسية إلى ضغوط إضافية على واردات القمح والسكر وهو ما يهدد بارتفاع فاتورة الغذاء ويضيف أعباء جديدة على ميزان الأداءات الذي يواجه أصلا ضغوطا متزايدة بفعل ارتفاع الفاتورة الطاقية.

 

وفي حال استقرار أسعار النفط عند مستويات تقارب 100 دولار للبرميل، فإن فاتورة الطاقة مرشحة للارتفاع بما بين 40 و50 مليار درهم خلال سنة واحدة، وهو ما يعادل ما بين 2.2% و3.3% من الناتج الداخلي الخام ما يضع الميزان الخارجي تحت ضغط غير مسبوق، ويعيد إلى الواجهة إشكالية العجز التجاري المزمن الذي قد يصل إلى حوالي 430 مليار درهم.

 

ولا يقف الأمر عند حدود الطاقة والغذاء، بل يمتد إلى القطاعات المرتبطة بالصناعة الفوسفاطية، حيث إن ارتفاع أسعار الكبريت والأمونياك، وهما مكونان أساسيان في إنتاج الأسمدة قد يضيف ما بين 15 و20 مليار درهم إلى العجز التجاري، في مفارقة تعكس أن حتى القطاعات التصديرية قد تتأثر بشكل غير مباشر بارتفاع كلفة المدخلات.

 

هذا التداخل بين مختلف مكونات الاقتصاد يجعل من الصدمة الحالية اختبارا شاملا للتوازنات الماكرواقتصادية، حيث يُتوقع أن يتسع عجز الميزانية إلى حدود 4% من الناتج الداخلي الخام ما قد يفرض مراجعة قانون المالية، في وقت يتجه فيه التضخم إلى الارتفاع بفعل الصدمات المستوردة، وهو ما يهدد بتآكل إضافي في القدرة الشرائية للأسر.

 

وفي مواجهة هذه الضغوط، قد يجد بنك المغرب نفسه مضطرا إلى تشديد السياسة النقدية عبر رفع سعر الفائدة الرئيسي بما يتراوح بين 25 و50 نقطة أساس، وهو ما سيؤثر بدوره على كلفة التمويل والاستثمار، ويبطئ دينامية النمو في قطاعات حيوية كما يُتوقع أن يشهد منحنى أسعار الفائدة ارتفاعا يتراوح بين 60 و120 نقطة أساس، في انعكاس مباشر لارتفاع المخاطر المرتبطة بالاقتصاد.

أما العملة الوطنية، فلا تبدو بمنأى عن هذه التحولات، إذ تشير التوقعات إلى احتمال تراجع الدرهم بنسبة تتراوح بين 5% و8% أمام الدولار، وهو ما سيزيد من كلفة الواردات ويغذي الضغوط التضخمية وفي الأسواق المالية، قد يؤدي هذا السياق إلى تصحيح في مؤشر “مازي” يتراوح بين 10% و15%، في ظل حالة عدم اليقين التي تدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم المخاطر.

ورغم قتامة هذه المؤشرات، فإن مسار الأزمة يظل مفتوحا على عدة سيناريوهات ففي حال تم احتواء التصعيد بسرعة، قد تظل التأثيرات محدودة ومؤقتة، مع عودة تدريجية للأسعار واستقرار نسبي في المؤشرات الاقتصادية غير أن السيناريو الأكثر ترجيحا في ظل المعطيات الحالية، يظل هو استمرار النزاع لفترة تتراوح بين ستة أشهر وسنة وهو ما يعني دخول الاقتصاد المغربي في مرحلة من التكيف القسري مع أسعار طاقة مرتفعة.

أما السيناريو الأسوأ، المرتبط بانزلاق المنطقة إلى نزاع طويل الأمد، فيحمل معه مخاطر أعمق قد تدفع التضخم إلى مستويات تصل إلى 6%، وتخفض وتيرة النمو إلى حدود 3%، مع تراجع احتياطات العملة الصعبة وارتفاع حاد في كلفة التمويل، وهو ما قد يفرض إعادة ترتيب شاملة للأولويات الاقتصادية.

في المقابل، لا يخلو الوضع من عناصر مقاومة حيث لا يزال المغرب يتوفر على عدد من أدوات التدخل من بينها خط الوقاية والسيولة مع صندوق النقد الدولي وإمكانية اللجوء إلى الأسواق المالية الدولية فضلا عن الدعم المحتمل من الشركاء الإقليميين غير أن فعالية هذه الأدوات تبقى رهينة بمدى طول الأزمة وشدتها.