وتوقع الفاعل المهني الإسباني ذاته أن يستمر حظر المغرب تصدير السردين المجمد مدة عام على الأقل، معتبرًا أن “الوضع الحالي وسط المصانع يتسم بالهدوء المتوتر، واستنفاد جميع مخزونات السردين المجمد المتاحة، التي يُتوقع أن تستمر حتى أبريل، مع كثير من الترقب لموسم السردين الإسباني هذا العام”.

 

وكانت  الرابطة  قد  أكدت ، في بيان رسمي سابق، بأن واردات إسبانيا من السردين المجمد المغربي بلغت خلال الأشهر العشرة الأولى من السنة الماضية نحو 27 ألفا و400 طن، أي ما يعادل 94 في المائة من إجمالي وارداتها من هذا الصنف القادم من خارج الاتحاد الأوروبي، معتبرا أن وقف هذه التدفقات سيؤثر بشكل ملموس على وتيرة الإنتاج وعلى مناصب الشغل المرتبطة بالقطاع. حيث أشار المصدر ذاته إلى أن الرابطة سبق أن تواصلت مع السلطات المغربية المختصة للتعبير عن انشغالها بمثل هذه القرارات، داعية في الوقت نفسه إلى اعتماد حلول تقنية مشتركة تضمن استدامة مخزون السردين، مع إمكانية التعاون العلمي مع مؤسسات متخصصة، من بينها المعهد الإسباني لعلوم المحيطات.

 

وأويعد  القرار المتعلق بتقييد تصدير السردين قرار سياسيا  موجها ومؤقتا، يندرج في إطار مقاربة ظرفية موجهة لتدبير القطاع، تتسم بالإستهداف والتناسب والإعتماد على معطيات موضوعية. حيث أوضحت كتابة الدولة المكلفة بالصيد  أن هذا التوجه الحكومي يندرج ضمن مقاربة مسؤولة ومتوازنة، تروم إعطاء الأولوية للسوق الوطنية، وتعزيز تموينها، ومواكبة التكيف المستدام لسلسلة الأسماك السطحية الصغيرة في مواجهة التحديات الراهنة، بالنظر إلى أهميتها القصوى في تحقيق الأمن الغذائي. وأشار إلى أن قرار تقييد تصدير السردين جاء بعد مرحلة من التشاور مع مختلف المتدخلين المعنيين، حيث تم عقد عدة لقاءات مع المهنيين قبل اعتماده.

 

وأكدت كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري أن هذا القرار لا يشكل عبئا على مختلف مكونات السلسلة، إذ من المستبعد أن يطرح إشكالات بالنسبة للمجهزين والبحارة الصيادين والوسطاء وباقي وحدات التحويل. بل سيساهم في الحفاظ على دينامية مصايد الأسماك السطحية، وضمان تموين السوق الوطنية، مشيرة إلى أن التخوفات المرتبطة بإمكانية إحداث اختلال دائم بين حلقات سلسلة القيمة، لا تستند إلى معطيات واقعية.

 

وأشارت كتابة الدولة أنه من المرتقب أن يكون لهذا الإجراء أثر إيجابي على القدرة الإنتاجية للقطاع في ظل وضعية المؤشرات العلمية المتعلقة بإستغلال المصايد، من خلال تحسين توجيه المنتوج وضمان استمرارية نشاط تصدير باقي أصناف الأسماك السطحية الصغيرة. كما أن الفرص المعروضة من طرف السوق المحلي وصناعة التجميد تتيح تعويض الحصة التي كانت موجهة للتصدير بشكل واسع، مما سيساهم في استقرار الأسعار والحفاظ على السلم الإجتماع.

 

و يُبرز تحليل صادرات صناعة تجميد الأسماك السطحية الصغيرة  حدوث تحول هيكلي عميق في رقم المعاملات عند التصدير، حيث انتقلت حصة السردين من صادرات الأسماك السطحية الصغيرة المجمّدة، من حيث القيمة، من 70 في المائة سنة 2020 إلى 23 في المائة فقط سنة 2025، ومن حيث الحجم من 72 في المائة إلى 24 في المائة خلال الفترة نفسها. وعلى العكس من ذلك، ارتفعت حصة باقي الأسماك السطحية الصغيرة في رقم المعاملات الإجمالي عند التصدير من 30 في المائة سنة 2020 إلى 77 في المائة سنة 2025.

 

وخلال الدورة العادية لغرفة الصيد البحري الأطلسية الوسطى، أوضح مندوب الصيد البحري بأكادير أن مستثمرين أغلقوا وحداتهم بالمغرب ونقلوها إلى دول أخرى مثل البرازيل، حيث يعمدون إلى استيراد السردين المجمد المغربي وإعادة تصنيعه هناك، مما يضاعف الضغط على الوحدات المحلية. ويعزز هذا المعطى تقرير اقتصادي برازيلي حديث كشف أن المغرب يصدر أكثر من 15 ألف طن من السردين سنويًا، ويهيمن على صناعة المعلبات في السوق العالمية بفضل نموذج إنتاج متكامل يجمع بين الوفرة الطبيعية والبنية الصناعية المتقدمة.

 

ويبرز التقرير أن تفوق المغرب يعود إلى موقعه الأطلسي الغني بالتيارات البحرية الصاعدة، التي توفر بيئة مثالية لتكاثر السردين، وإلى اعتماده نموذج صيد مستدام قائم على البحث العلمي وتحديث الأساطيل وتنظيم فترات الراحة البيولوجية. كما يسهّل قرب مناطق الصيد من وحدات المعالجة الحفاظ على جودة المنتوج ورفع تنافسيته. ومن خلال عشرات مصانع التصبير المنتشرة في مدن ساحلية كأكادير وآسفي والعيون، يتحول السردين إلى رافعة اقتصادية تشغل مئات الآلاف وتوفر قيمة مضافة عالية مقارنة بالأسماك الطازجة أو المجمدة.

 

ويؤكد التقرير أن المغرب لم يكتف باستغلال موارده، بل بنى صناعة قوية قادرة على تلبية أسواق عالمية صارمة، مستثمرًا في التتبع والجودة واللوجستيك، ما جعله فاعلًا مؤثرًا في توجهات السوق الدولية. وهكذا يتجلى أن قرار الحد من تصدير السردين المجمد ليس خطوة ظرفية، بل جزء من رؤية أوسع لترسيخ ريادة المغرب في قطاع المعلبات وحماية نموذج تكاملي يمنحه تفوقًا يصعب منافسته في الأمد القريب.