لماذا لا تعلن الجزائر قبولها بالحكم الذاتي؟

 

تتحدث معطيات متداولة في الأوساط السياسية بواشنطن، خاصة تلك المرتبطة بتصريحات مسعد بولس المقرب من البيت الأبيض، عن تطور لافت في موقف الجزائر من ملف الصحراء. فحسب هذه الإشارات، وافقت الجزائر على مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار الواقعي للحل، لكنها فضلت إبقاء هذا التحول بعيدا عن الإعلان الرسمي في المرحلة الحالية.

 

‎هذا الموقف لا يُقرأ باعتباره خطوة ظرفية، بل يعكس إدراكا جزائريا بصعوبة الاستمرار في مواجهة التوجه الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب، والذي يضع الحكم الذاتي في صلب أي تسوية سياسية ممكنة.

 

‎إصرار الجزائر على التحفظ الإعلامي يرتبط، وفق تقديرات متابعين، بحسابات داخلية دقيقة. فبعد سنوات من تبني خطاب يقوم على تقرير المصير وتقديم الملف كقضية مبدئية، يبدو أن صانع القرار الجزائري يسعى إلى تدبير انتقال هادئ يجنبه صدمة الرأي العام.

 

‎إعلان صريح ومفاجئ بقبول الحكم الذاتي قد يُفسر داخليا كتنازل سياسي كبير، لذلك يجري التعامل مع الملف عبر قنوات مغلقة وبوتيرة محسوبة، تمهيدا لتهيئة المناخ السياسي قبل أي خطوة علنية.

 

‎كما يمنح هذا القبول غير المعلن الجزائر هامشا زمنيا لإعادة ترتيب وضعية مخيمات تندوف، ومحاولة إدماج قيادات الجبهة في مسار أممي جديد دون تقديم المشهد كتحول حاد أو تراجع صريح.

 

‎في المقابل، تدرك الجزائر أن الإدارة الأمريكية الحالية لا تترك مجالا للغموض الطويل. فواشنطن تضع الحكم الذاتي كمرجعية واضحة، وأي محاولة للالتفاف قد تفتح الباب أمام ضغوط سياسية أو اقتصادية متزايدة.

 

‎تصريحات مسعد بولس، التي أشار فيها إلى احترام الولايات المتحدة لرغبة الجزائر في عدم الإعلان حاليا، تحمل في طياتها رسالة مزدوجة: اعتراف صريح بأن الجزائر طرف مباشر في المفاوضات، وفي الوقت نفسه كشف ضمني عن هذا التحول، ما يضع القيادة الجزائرية أمام استحقاق الانتقال من السرية إلى الموقف العلني.

 

‎بالنسبة للمغرب، فإن أي تأكيد ميداني لهذا القبول يشكل مكسبا دبلوماسيا مهما، إذ إن الرباط حافظت على ثبات طرحها، بينما تتجه المواقف الدولية والإقليمية نحو تبني الواقعية التي يقوم عليها مقترح الحكم الذاتي.

 

‎هكذا لم يعد الحكم الذاتي مجرد خيار مطروح للنقاش، بل أصبح الإطار الذي بدأت الجزائر، وفق هذه المعطيات، في التكيف معه بصمت، في انتظار اللحظة السياسية المناسبة لإعلانه بشكل رسمي.