أفرجت الجريدة الرسمية في عددها الأخير لـ29 يناير 2026 عن تفاصيل القانون الجديد الذي يغير ويتمم أحكام مدونة التجارة، معلنا بذلك عن مرحلة قانونية وقضائية مغايرة في التعاطي مع الشيك ووسائل الأداء، حيث حملت هذه التعديلات مراجعة شاملة للمنظومة الزجرية والمسطرية، حيث تهدف بالأساس إلى الموازنة بين الحفاظ على مصداقية الشيك كأداة وفاء وبين ضرورة ترشيد الاعتقال الاحتياطي وتفعيل الوسائل الإلكترونية في الرقابة.

 

وأقرت المقتضيات الجديدة تخفيضا ملموسا في العقوبات السلبية للحرية، إذ نصت المادة 316 على الحبس من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات عوض العقوبات السابقة التي كانت تصل إلى خمس سنوات وغرامة تصل إلى 2000 درهم و20000 درهم، كما سجل القانون قفزة نوعية في ترسيخ مفهوم “الحصانة العائلية” ضمن المعاملات التجارية، حيث نصت المادة 325 صراحة على عدم قيام الجريمة أو العقوبة في حالات إصدار شيك بدون مؤونة إذا كان النزاع قائما بين الأزواج أو الأصول أو الفروع من الدرجة الأولى، ويمتد هذا المقتضى ليشمل الأزواج حتى بعد انحلال ميثاق الزوجية بمدة تصل إلى أربع سنوات، مما ينقل هذه النزاعات من ردهات المحاكم الزجرية إلى القضاء المدني الخالص.

 

واستحدث المشرع آلية “الإعذار القبلي” كشرط أساسي لتحريك المتابعة، حيث أصبح لزاما إعطاء ساحب الشيك مهلة ثلاثين يوما لتسوية وضعيته من تاريخ استجوابه من طرف الشرطة القضائية بناء على تعليمات النيابة العامة، وخلال هذه الفترة يتم إخضاع الساحب لتدابير المراقبة القضائية التي تشمل “السوار الإلكتروني” لضمان عدم فراره، مع إمكانية تمديد هذه المهلة لمدد مماثلة بموافقة المستفيد، وهو توجه يعكس الرغبة في تغليب منطق استخلاص الدين على منطق العقاب الفوري.

 

وشملت التعديلات نظام الغرامات المالية لجعله أكثر مرونة، حيث تم خفض الغرامة في حالة الأداء بعد الشكاية إلى 2% فقط من قيمة الشيك، كما أصبح الأداء أو التنازل عن الشكاية سببا مباشرا لسقوط الدعوى العمومية قبل صدور الحكم، أو وقفا لتنفيذ العقوبة الحبسية حتى بعد صيرورة الحكم نهائيا، مما يفتح الباب أمام المتابعين لتصحيح أوضاعهم المالية واستعادة حريتهم فور الوفاء بالدين، مما يفتح الباب أمام المتابعين لتصحيح أوضاعهم المالية واستعادة حريتهم فور الوفاء بالدين، إضافة إلى إمكانية طلب رد الاعتبار القضائي بمجرد أداء الغرامات المقررة.

 

وعلى المستوى التقني والمصرفي، منحت المادة 242 إمكانية تجميد مبلغ الشيك بطريقة إلكترونية عن بعد بناء على طلب الحامل وبأمر من الساحب، كما شدد القانون على مسؤولية المؤسسات البنكية في التحقق من سوابق الزبائن قبل تسليمهم دفاتر الشيكات أو الكمبيالات، مع إلزامية استرجاع هذه الدفاتر في حالة إغلاق الحساب أو حدوث عوارض أداء، وفي سياق محاربة تبييض الأموال وترشيد التداول النقدي، أكدت المادة 306 على وجوب وقوع كل وفاء بين التجار يتجاوز مبلغ عشرة آلاف درهم عبر شيك مسطر أو تحويل بنكي.

 

ولم تقتصر التعديلات على الشيك بل امتدت لتنظم “الكمبيالة المسحوبة على مؤسسة بنكية” عبر الباب الرابع عشر المستحدث، حيث فرض المشرع تحريرها وفق نماذج يحددها والي بنك المغرب، مع إمكانية سحبها على دعامة إلكترونية، وأخضعها لذات الصرامة في الرقابة القبلية من طرف البنوك، مع منع تسليم دفاتر الكمبياالت لمن سجلت في حقهم عوارض أداء لمدة خمس سنوات ما لم يتم تسوية الوضعية.